سيد محمد طنطاوي

257

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع اللَّه لمن حمده : « اللهم ربنا ولك الحمد . اللهم أنج الوليد بن الوليد . وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف « يجهر بذلك . وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر : اللهم العن فلانا وفلانا » لأحياء من العرب « حتى أنزل اللَّه - تعالى - : * ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) * « 1 » . ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى في غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة ، وإرادته النافذة فقال - سبحانه - : * ( ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . أي اللَّه جميع ما في السماوات وما في الأرض ملكا وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه في ذلك منازع ولا يعارضه معارض ، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما ، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه * ( واللَّه غَفُورٌ ) * أي كثير المغفرة يحبها ويريدها ، * ( رَحِيمٌ ) * أي واسع الرحمة بعباده ، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها ، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة ، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه اللَّه لهم مع قلتهم وضعفهم ، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس ، ونقاء القلوب ، ومضاء العزائم والطاعة التامة اللَّه ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم في غزوة أحد من مخالفة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ومن طمع في زينة الحياة الدنيا . وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد ، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا ، وأمرهم بتقوى اللَّه وبطاعته وطاعة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 130 إلى 136 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) واتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) وأَطِيعُوا اللَّه والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) وسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 136 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 40 .