سيد محمد طنطاوي

249

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير : اختلف المفسرون في هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين ؟ أحدهما : أن قوله - تعالى - : * ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * متعلق بقوله * ( ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّه بِبَدْرٍ ) * ، وهذا عن الحسن والشعبي والربيع بن أنس وغيرهم . فعن الحسن في قوله : * ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ) * . . . إلخ قال : هذا يوم بدر . وعن الشعبي : أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح - فشق ذلك على المسلمين فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ) * إلى قوله : * ( مُسَوِّمِينَ ) * قال : فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين . وقال الربيع بن أنس : أمد اللَّه المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف . فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ . . إلى قوله : إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 1 » . فالجواب : أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - : مُرْدِفِينَ بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم . وهذا السياق شبيه بالسياق في سورة آل عمران ، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر . والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله : * ( وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) * وذلك يوم أحد . وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم . لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف ، لأن المسلمين يومئذ فروا . وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله تعالى - : * ( بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ) * فلم يصبروا ، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد « 2 » . ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر ، فقد قال : فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر . . وهذا ما تسكن إليه النفس : لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد ، فقد كانوا في بدر قليلي العدد والعدد ، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين ، ولأن سياق الآيات يشعر بأن اللَّه - تعالى - قد ساقها ليستحضر في أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم ، وطاعتهم لنبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم في غزوة أحد من مخالفة للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .

--> ( 1 ) سورة الأنفال آية 9 ، 10 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 401 .