سيد محمد طنطاوي
242
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعد هذا السبح الطويل في الحديث عما دار بين المسلمين وبين أعدائهم من حرب كلامية وفكرية ونفسية . . . انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن حروب السيف والسنان ، وما صاحبها من أفكار وأقوال وأفعال . فقد حدثتنا السورة الكريمة في حوالي ستين آية عن جوانب متعددة من غزوة « أحد » تلك الغزوة التي كانت لها آثارها الهامة في حياة المسلمين وأحوالهم . ولعل من الخير - قبل أن نبدأ في تفسير الآيات الكريمة التي وردت في سورة آل عمران بشأن هذه الغزوة - أن نسوق خلاصة تاريخية لهذه الغزوة تعين على فهم الآيات المتعلقة بها ، فتقول : كانت غزوة بدر من الغزوات المشهورة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، فقد انتصر المسلمون فيها انتصارا مؤزرا على كفار قريش . وصمم المشركون على أن يأخذوا بثأرهم من المسلمين ، فجمعوا جموعهم ، وخرجوا في جيش كبير ، ومعهم بعض نسائهم حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال في القتال . ووصل مشركو قريش ومعهم حلفاؤهم إلى أطراف المدينة في أوائل شوال من السنة الثالثة ، وكان عددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل . واستشار النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أصحابه في شأن هؤلاء المشركين الزاحفين إلى المدينة . فكان رأى بعضهم - ومعظمهم من الشباب - الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة . وكان من رأى فريق آخر من الصحابة ، استدراج المشركين إلى أزقة المدينة ومقاتلتهم بداخلها ، وكان النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يميل إلى رأى هذا الفريق ، إلا أنه آثر الأخذ برأي الفريق الأول الذي يرى أصحابه الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة ، نظرا لكثرة عدد القائلين بذلك . ثم دخل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بيته ، ثم خرج منه وقد لبس آلة حربه ، وشعر بعض المسلمين أنهم قد استكرهوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على القتال ، فأظهروا له الرغبة في النزول على رأيه ، إلا أنه لم يستجب لهم ، وقال كلمته التي تعلم الناس الحزم وعدم التردد : « ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللَّه بينه وبين عدوه ، لقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج ، فعليكم بتقوى اللَّه والصبر عند البأس . وانظروا ما أمركم اللَّه به فافعلوه » . ثم خرج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في ألف مقاتل من المسلمين حتى نزل قريبا من جبل « أحد » إلا أن « عبد اللَّه بن أبي بن سلول » انسحب في الطريق بثلث الناس محتجا بأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يأخذ برأيه ، بل أخذ برأي غيره . وعسكر المسلمون بالشعب من أحد ، جاعلين ظهرهم إلى الجبل ، ورسم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الخطة