سيد محمد طنطاوي

240

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

العداوة بمثلها * ( وتَتَّقُوا ) * اللَّه - تعالى - في كل ما نهاكم عنه ، وتمتثلوا أمره في كل ما أمركم به ، إن فعلتم ذلك * ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ) * وتدبيرهم السيئ * ( شَيْئاً ) * من الضرر ببركة هاتين الفضيلتين : الصبر والتقوى ، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات ، ومكارم الأخلاق . وإن لم تفعلوا ذلك أصابكم الضرر ، واستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم . قال الجمل ما ملخصه : وقوله : * ( لا يَضُرُّكُمْ ) * وردت فيه قراءتان سبعيتان : إحداهما : بضم الضاد وضم الراء مع التشديد - من ضر يضر . والثانية : * ( لا يَضُرُّكُمْ ) * - بكسر الضاد وسكون الراء - من ضار يضير . والفعل في كليهما مجزوم جوابا للشرط ، وجزمه على القراءة الثانية « يضركم » ظاهر ، وعلى القراءة الأولى « يضركم » يكون مجزوما بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الاتباع للتخلص من التقاء الساكنين ، وأصل الفعل يضرركم - بوزن ينصركم - نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد ثم أدغمت في الثانية ، وحركت الثانية بالضم اتباعا لحركة الضاد » « 1 » . وقوله : * ( شَيْئاً ) * نصب على المصدرية . أي لا يضركم كيدهم شيئا من الضرر لا قليلا ولا كثيرا بسبب اعتصامكم بالصبر والتقوى . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) * تذييل قصد به إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين ، والرعب في قلوب أعدائهم . . أي إنه - سبحانه - محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم ، ولا تخفى عليه خافية منها ، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة ، وأقوالهم الذميمة . وأفعالهم القبيحة . وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة من يخالفونهم في الدين ، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما يحملهم على منابذتهم والحذر منهم والبعد عنهم ، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على النصر عليهم وعلى التخلص من آثار مكرهم وكيدهم . وإنها لوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة ، وإرشادات عالية ، ما أحوج المسلمين في كل زمان ومكان إلى العمل بها لكي يفلحوا في دنياهم وآخرتهم . تدبر معي - أخي القارئ - هذه الآيات مرة أخرى فما ذا ترى ؟ إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم ، محركا لحرارة العقيدة في قلوبهم . . حيث نادتهم بصفة الإيمان ، ونهتهم في هذا النداء عن اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إخوانهم

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 308 .