سيد محمد طنطاوي

231

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولأن من المتعارف عليه بين الناس أن الإنسان يلجأ إلى ماله وولده عند الشدائد ، إذ المال يدفع به الإنسان عن نفسه في الفداء وما يشبهه من المغارم ، والأولاد يدافعون عن أبيهم لنصرته ممن يعتدى عليه . وكرر حرف النفي مع المعطوف في قوله : * ( ولا أَوْلادُهُمْ ) * ، لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم ، ولدفع توهم ما هو متعارف من أن الأولاد لا يقعدون عن الذب عن آبائهم . فالمقصود من الجملة الكريمة نفى الانتفاع بالأموال والأولاد في حالة اجتماعهما ، وفي حالة انفراد أحدهما عن الآخر ، لأن المال قد يكون أكثر نفعا في مواضع خاصة ، والأولاد قد يكونون أكثر نفعا من المال في مواطن أخرى ، فبتكرار النفي تأكد عدم انتفاع الكفار بهذين النوعين في أية حال من الأحوال . فإن قيل : لقد نص القرآن على أن الكفار لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة ، مع أن المؤمنين كذلك لا تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم فلما ذا خص الكافرين بالذكر ؟ . فالجواب أن الكافرين هم الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ، وهم الذين اعتقدوا أنهم سينجون من العقاب بسبب ذلك ، أما المؤمنون فإنهم لم يعتقدوا هذا الاعتقاد ، ولم يغتروا بما منحهم اللَّه من نعم ، وإنما اعتقدوا أن الأموال والأولاد فتنة ، ولم يعتمدوا في نجاتهم من عقاب اللَّه يوم القيامة إلا على فضله ورحمته ، وعلى إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح . و * ( مِنَ ) * في قوله : * ( مِنَ اللَّه ) * ابتدائية ، والجار والمجرور متعلق بتغنى . وقوله : * ( شَيْئاً ) * منصوب على أنه مفعول مطلق أي : لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من الإغناء والدفع . وتنكير * ( شَيْئاً ) * للتقليل . وقوله : * ( وأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم ، وما أعد لهم من عذاب شديد . أي وأولئك الكافرون المغترون بأموالهم وأولادهم ، هم أصحاب النار الذين سيلازمونها ويصلون سعيرها ، ولن يصرفهم من عذاب اللَّه أي ناصر من أموال أو أولاد أو غيرهما . وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم العادل بعدة مؤكدات منها : التعبير باسم الإشارة المتضمن السلب من كل قوة كانوا يعتزون بها ، ومنها : ذكر مصاحبتهم للنار وخلودهم فيها أي ملازمتهم لها ملازمة أبدية ، ومنها : ما اشتملت عليه الجملة الكريمة من معنى القصر أي أولئك أصحاب النار الذين يلازمونها ولا يخرجون منها إلى غيرها بل هم خالدون فيها . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لبطلان ما كان ينفقه هؤلاء الكافرون من أموال في الدنيا فقال :