سيد محمد طنطاوي

228

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مستقرون في كل أعمالهم في طريق الخير ، فهم ينتقلون من خير إلى خير في دائرة واحدة هي دائرة الخير ، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون منها . فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير ، وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفي المفيدة للظرفية . والمسارعة في الخير هي فرط الرغبة فيه ، لأن من رغب في الأمر يسارع في توليه وفي القيام به ، واختيار صيغة المفاعلة « يسارعون » للمبالغة في سرعة نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير ، وألوان البر . قال صاحب الكشاف . وقوله : * ( يَتْلُونَ ) * و * ( يُؤْمِنُونَ ) * في محل الرفع صفتان لأمة . أي : قائمة تالون مؤمنون . وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات اللَّه بالليل ساجدين ، ومن الإيمان باللَّه ، لأن إيمانهم به كلا إيمان ، لإشراكهم به عزيزا ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض : ومن الإيمان باليوم الآخر ، لأنهم يصفونه بخلاف صفته . ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهم كانوا مداهنين . ومن المسارعة في الخيرات ، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها » « 1 » . واسم الإشارة في قوله : * ( وأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) * يعود إلى الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان باللَّه واليوم الآخر . . أي وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند اللَّه ورضيهم ، واستحقوا ثناءه عليهم . وفي التعبير بقوله : * ( مِنَ الصَّالِحِينَ ) * إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات ، قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم اللَّه - تعالى - ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين . فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين . قال الفخر الرازي : واعلم أن وصفهم بالصلاح في غاية المدح ، ويدل عليه القرآن والمعقول . أما القرآن ، فهو أن اللَّه - تعالى - مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء ، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذي الكفل وغيرهم وأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وذكر حكاية عن سليمان أنه قال : « وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين » . وأما المعقول ، فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء أكان ذلك في العقائد

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 403 .