سيد محمد طنطاوي
226
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فالضمير في قوله - تعالى - * ( لَيْسُوا سَواءً ) * يعود لأهل الكتاب الذين تقدم الحديث عنهم وهو اسم ليس ، وخبرها قوله * ( سَواءً ) * والجملة مستأنفة للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد أن وبخ القرآن من يستحق التوبيخ منهم . قال ابن كثير : والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم . أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب ، وهؤلاء الذين أسلموا ، ولهذا قال - تعالى - * ( لَيْسُوا سَواءً ) * أي ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم « 1 » . وقوله - تعالى - * ( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ) * استئناف مبين لكيفية عدم التساوي ومزيل لما فيه من إيهام . أي : ليس أهل الكتاب متساوين في الكفر وسوء الأخلاق ، بل منهم طائفة قائمة بأمر اللَّه مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة له ، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه . فمعنى قائمة . مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام . أو معناها : ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له غير مضطربة في التمسك به ، كما في قوله - تعالى - إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْه قائِماً أي ملازما لمطالبته يحقك . ومنه قوله - تعالى - شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ أي ملازما له . والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التي وصفها اللَّه - تعالى - بأنها * ( أُمَّةٌ ) * قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر اللَّه وأطاعوه في السر والعلن ، كعبد اللَّه بن سلام ، وأصحابه ، والنجاشيّ ومن آمن معه من النصارى . فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به ، ولم يفرقوا بين أنبياء اللَّه ورسله ، فمدحهم اللَّه على ذلك وأثنى عليهم . ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال * ( يَتْلُونَ آياتِ اللَّه آناءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ ) * . وقوله * ( يَتْلُونَ ) * من التلاوة وهي القراءة ، وأصل الكلمة من الاتباع ، فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ . والمراد بآيات اللَّه هنا : ما أنزله على رسوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من قرآن .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 397 .