سيد محمد طنطاوي

21

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الجمل : وقوله * ( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه ) * ، فيه نوع مجاز لأن ما بين يديه هو ما أمامه . فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره . واللام في * ( لِما ) * لتقوية العامل . نحو قوله - تعالى - : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ . وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة » « 1 » . ثم أخبر - سبحانه - عن بعض الكتب الأخرى التي أنزلها فقال : * ( وأَنْزَلَ التَّوْراةَ والإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ) * . والتوراة : اسم عبراني للكتاب الذي أنزله اللَّه - تعالى - على موسى - عليه السّلام - ليكون شريعة له ولقومه . قال القرطبي ما ملخصه : والتوراة معناها الضياء والنور مشتقة من ورى الزند وورى لغتان إذا خرجت ناره . . وقيل مأخوذة من التورية ، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره ، فكان أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح . والجمهور على القول الأول لقوله - تعالى - ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الْفُرْقانَ وضِياءً وذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ يعنى التوراة « 2 » . والإنجيل : كلمة يونانية معناها البشارة وهي اسم للكتاب الذي أنزله اللَّه على عيسى . قالوا : والإنجيل افعيل من النجل وهو الأصل : يقال : رحم اللَّه ناجليه أي والديه . وقال قوم : الإنجيل مأخوذ من نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ، ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل وقيل : هو من النجل الذي هو سعة في العين . ومنه طعنة نجلاء أي واسعة . وسمى الإنجيل بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه اللَّه - تعالى - لبنى إسرائيل على يد عيسى عليه السّلام « 3 » . وهذا الكلام الذي نقلناه عن القرطبي والفخر الرازي هو قول لبعض العلماء الذين يرون أن لفظي التوراة والإنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف . وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق والتصريف لأنهما اسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين . قال الفخر الرازي بعد أن أورد كلاما طويلا يدل على عدم ارتضائه للمذهب الذي يرى

--> ( 1 ) حاشية الجمل ج 1 ص 225 ( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 5 ( 3 ) التفسير الكبير الفخر الرازي ج 7 ص 171 طبعة عبد الرحمن محمد سنة 1357 - 1938 .