سيد محمد طنطاوي
215
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وكأنه - سبحانه - قد أخر « الإيمان باللَّه » عن « الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر » ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على تكاليفهما ومتاعبهما إلا مؤمن يبتغى وجه اللَّه ويركن في كفاحه إليه . فهذا الإيمان باللَّه هو الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، على أن يبلغوا رسالات اللَّه ، دون أن يخشوا أحدا سواه . وقيل : إنما أخر الإيمان على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر ، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فهما أظهر في الدلالة على الخيرية للأمة الإسلامية . وجملة * ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) * يجوز أن تكون حالية من ضمير الخطاب في * ( كُنْتُمْ ) * ويجوز أن تكون مستأنفة للتعليل ، وهذا ما ذهب إليه الفخر الرازي ، فقد قال : « واعلم أن هذا كلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول . زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فههنا حكم اللَّه - بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة . ثم ذكر عقيب هذا الحكم هذه الطاعات أعنى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبارات « 1 » . وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق بضعة عشر حديثا في فضل هذه الأمة : فهذه الأحاديث في معنى قوله - تعالى - * ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ) * فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح ، كما قال قتادة ، بلغنا أن عمر بن الخطاب رأى من الناس دعة في حجة حجها فقرأ هذه الآية . * ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) * ، ثم قال : من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط اللَّه فيها « ، رواه ابن جرير ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم اللَّه بقوله : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه الآية « 2 » . وبعد أن مدح - سبحانه - هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم فقال - تعالى - : * ( ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ ) * أي بما أنزل على محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم * ( لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) * أي لكان إيمانهم خيرا لهم في دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التي ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 191 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 396 .