سيد محمد طنطاوي
211
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وظلمت الأرض إذا حفرتها ولم تكن موضعا للحفر . قال بعض الحكماء : الظلم ثلاثة أنواع : الأول : ظلم بين الإنسان وبين اللَّه - تعالى - وأعظمه الكفر والشرك والنفاق وإياه قصد - سبحانه - بقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . والثاني : ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ . والثالث : ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه « 1 » والظلم الذي نفى إرادته - سبحانه - عن ذاته عام لا يخص نوعا دون نوع ، إذ من المعروف عند علماء اللغة أن النكرة في سياق النفي تعم ، وهنا جاء لفظ الظلم منكرا في سياق النفي وهو ما . قال الجمل واللام في قوله * ( لِلْعالَمِينَ ) * زائدة لا تعلق لها بشيء زيدت في مفعول المصدر وهو « ظلم » والفاعلي محذوف . وهو في التقدير ضمير البارئ - سبحانه - والمعنى ما اللَّه يريد أن يظلم العالمين ، فزيدت اللام تقوية للعامل كقوله فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه هو المالك لكل شيء وأنه هو وحده الذي إليه تصير الأمور فقال : * ( ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * أي له - سبحانه - وحده ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا . * ( وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ) * أي إلى حكمه وفضائه تعود أمور الناس وشئونهم فيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى ، لأنه - سبحانه - منه المبدأ وإليه المآب فيجازى كل إنسان على حسب اعتقاده وعمله بدون ظلم أو محاباة . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حذرت الناس من أهوال يوم القيامة الذي تبيض فيه وجوه وتسود وجوه وبينت الأسباب التي أدت إلى فوز من فاز وإلى شقاء من شقي ، ونوهت بشأن الآيات التي أنزلها اللَّه - تعالى - على نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لتكون هداية للناس وصرحت بأن اللَّه - تعالى - هو الخالق لكل شيء وإليه مرجع الأمور ومصيرها فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وبعد أن أمر اللَّه - تعالى - المؤمنين بالدعوة إلى الخير ونهاهم عن التفرق والاختلاف المفضى إلى العذاب العظيم يوم القيامة ، وبين لهم أن مصير الأمور إليه بعد كل ذلك ساق لهم ما يقوى إيمانهم ويثبت يقينهم ، بأن بشرهم بحسن العقبى متى استقاموا على أمره ، وأمروا بالمعروف
--> ( 1 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 316 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 303 .