سيد محمد طنطاوي
207
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الحقيقة عند جمهور العلماء . وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك هذه الحقيقة فوجب الحمل على ذلك . قال الآلوسي : قال بعضهم يوسم أهل الحق ببياض الوجه وإشراق البشرة تشريفا لهم وإظهارا لآثار أعمالهم في ذلك الجمع . ويوسم أهل الباطل بضد ذلك . والظاهر أن الابيضاض والاسوداد يكونان لجميع الجسد إلا أنهما أسندا للوجوه لأن الوجه أول ما يلقاك من الشخص وتراه ، وهو أشرف أعضائه واختلف في وقت ذلك فقيل : وقت البعث من القبور وقيل وقت قراءة الصحف » « 1 » . ويرى بعض العلماء أن بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح والسرور ، كما أن سوادها المراد منه لازمه أيضا وهو الحزن والغم وعليه يكون التعبير القرآني محمولا على المجاز لا على الحقيقة . قال الفخر الرازي ما ملخصه : وهذا مجاز مشهور قال - تعالى - وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ ويقال : لفلان عندي يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل . . . ويقال لمن وصل إليه مكروه : أربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته . . وعلى هذا فمعنى الآية : أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه ، فإن رأى ما يسره ابيض وجهه بمعنى أنه استبشر بنعم اللَّه وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه اسود وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه » « 2 » . والظرف « يوم » في قوله * ( يَوْمَ تَبْيَضُّ ) * إلخ منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف والتقدير : اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه والمراد الاعتبار والاتعاظ ويجوز أن يكون العامل فيه قوله * ( عَظِيمٌ ) * في قوله قبل ذلك * ( وأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * . أي أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات لهم عذاب في هذا اليوم الهائل الشديد الذي تبيض فيه وجوه المؤمنين وتسود فيه وجوه الكافرين والفاسقين . وفي وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه تهويل لأمره . وتعظيم لشأنه وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب الوجوه المسودة ، وترغيب للمؤمنين في الإكثار من التزود بالعمل الصالح وترهيب للكافرين من التمادي في كفرهم وضلالهم .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 25 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 181 .