سيد محمد طنطاوي
201
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال صاحب الكشاف : « والضمير المجرور في قوله * ( فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) * يعود للحفرة أو للنار أو للشفا ، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة - فاكتسب التأنيث من المضاف إليه - كما قال : كما شرقت صدر القناة من الدم . . وشفا الحفرة وشفتها : حرفها بالتذكير والتأنيث . فإن قلت : كيف جعلوا على حرف حفرة من النار ؟ قلت : لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار « فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها ، مشفين - أي مشرفين - على الوقوع فيها » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ آياتِه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) * . أي كهذا البيان الواضح الذي سمعتموه في هذه الآيات ، يبين اللَّه لكم دائما من آياته ودلائله وحججه ما يسعدكم في الدنيا والآخرة ، وما يأخذ بيدكم إلى وسائل الهداية وأسبابها ، رجاء أن تكونوا ممن رضى اللَّه عنهم وأرضاهم بسبب اهتدائهم إلى الصراط المستقيم . وبعد أن أمرهم - سبحانه - بتكميل أنفسهم عن طريق خشيته وتقواه والاعتصام بدينه وبكتابه ، عقب ذلك بأمرهم بالعمل على تكميل غيرهم وإصلاح شأنه عن طريق دعوته إلى الخير وإبعاده عن الشر فقال - تعالى - * ( ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) * . الأمة : الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما وتطلق على أتباع الأنبياء كما تقول : نحن من أمة محمد - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - وعلى الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به كقوله - تعالى - إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّه حَنِيفاً « 2 » . وعلى الدين والملة كقوله - تعالى - إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ « 3 » وعلى الحين والزمان كقوله - تعالى - : وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ « 4 » . والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التي تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . والمراد بالخير ما فيه صلاح للناس ديني أو دنيوي . والمراد بالمعروف ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على حسنه والمنكر ضد ذلك . والمعنى : ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية الإيمان عظيمة الإخلاص ، تبذل أقصى
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 396 . ( 2 ) سورة النحل الآية 120 . ( 3 ) سورة الزخرف الآية 22 . ( 4 ) سورة يوسف الآية 45 .