سيد محمد طنطاوي

193

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال : مرشاس بن قيس - وكان شيخا قد عسا « 1 » في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم - مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية . فقال : قد اجتمع ملأ بنى قيلة « 2 » بهذه البلاد ، واللَّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار . فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له : اعمد إليهم فاجلس معهم ، وذكرهم يوم بعاث ، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقالوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل . فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب : أوس بن قيظى من الأوس ، وجبار بن صخر من الخزرج . فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم واللَّه رددناها الآن جذعة « 3 » ، وغضب الفريقان وقالوا : قد فعلنا ، السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس . فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية . فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم . فقال يا معشر المسلمين : اللَّه اللَّه أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم اللَّه إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم سامعين مطيعين ، قد أطفأ اللَّه عنهم كيد عدو اللَّه شاس بن قيس ، وما صنع . فأنزل اللَّه في شاس بن قيس وما صنع * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ ) * الآية وأنزل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) * . . إلى قوله * ( وأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * « 4 » - فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم - . وقوله - تعالى - : * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّه ) * أمر من اللَّه - تعالى - لنبيه

--> ( 1 ) عسا الشيخ : كبر وأسن من عسا القضيب إذا يبس . ( 2 ) قيلة : هي قيلة بنت كاهل بن عذرة وهي أم الأوس والخزرج . ( 3 ) جذعة : شابة فتية . يريد عودة الحرب قوية كما كانت . ( 4 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 23 .