سيد محمد طنطاوي
191
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والناس عام مخصوص بالمستطيع ، وقد خصص ببدل البعض في قوله : * ( مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْه سَبِيلًا ) * إذ هذه الجملة بدل من الناس بدل البعض من الكل . والضمير في البدل مقدر أي من استطاع منهم إليه سبيلا . و « من » في قوله : * ( ومَنْ كَفَرَ ) * يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر ، وأن تكون موصولة ، وعلى الاحتمالين استغنى فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ الأصل ومن كفر فإن اللَّه غنى عنه فاستغنى بالظاهر عن المضمر . قال ابن كثير : والجمهور يرى أن هذه الآية هي آية وجوب الحج . وقيل بل هي آية وأَتِمُّوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّه والأول أظهر . وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه ، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع فعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - فقال : « يا أيها الناس إن اللَّه فرض عليكم الحج فحجوا . فقال رجل : أكل عام يا رسول اللَّه ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » . وعن ابن عمر - رضى اللَّه عنهما - قال : « قام رجل إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : ما السبيل يا رسول اللَّه ، فقال : الزاد والراحلة » « 1 » : وبذلك تكون هاتان الآيتان والآيات التي قبلهما قد ردت على اليهود في دعواهم أن ما حرمه اللَّه عليهم من طيبات لم يكن عقوبة لهم بسبب ظلمهم وبغيهم ، وكذبتهم في دعواهم أن بيت المقدس أفضل من المسجد الحرام . وقد اشتمل هذا الرد على ما يثبت افتراءهم من واقع التاريخ ، فقد أمر اللَّه - تعالى - النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يطالبهم بإحضار التوراة إن كانوا صادقين في دعواهم ، فبهتوا وانقلبوا صاغرين ، وأثبت القرآن أن البيت الحرام أول بيت وضع في الأرض لعبادة اللَّه ، فهو يسبق بيت المقدس في أولوية الشرف والزمان . وإذن فجدال اليهود للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في هذه الأمور ما هو إلا نوع من عنادهم وجحودهم للحق ، والمعاند والجاحد لا ينفع معهما دليل أو برهان . وبعد هذا الرد المفحم من القرآن على اليهود في هاتين القضيتين - قضية ما حرم عليهم من الأطعمة وقضية نزاعهم في أفضلية البيت الحرام - بعد كل ذلك ساق القرآن طرفا من
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 385 .