سيد محمد طنطاوي

189

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال ابن عطية : والراجح عندي أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالا لما في حرم اللَّه من الآيات ، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم » « 1 » . وأما الآية الثانية التي تدل على فضل هذا البيت وشرفه فقد بينها القرآن بقوله : * ( ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ) * . أي من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال - تعالى - : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وفي ذلك إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال - كما حكى القرآن عنه - : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ ولا شك أن في أمن من دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند اللَّه لأنه موضع أمان الناس في بيئة تغرى بالاعتداء لخلوها من الزرع والنبات . وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث لمكة - يعنى لقتال عبد اللَّه بن الزبير - : ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قال به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الغد من يوم الفتح ، - سمعته أذناي ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي - حين تكلم به - « 2 » : إنه حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : إن مكة حرمها اللَّه ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيها - أي أخذ فيه بالرخصة - فقولوا له : إن اللَّه أذن لنبيه ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب . فقيل لأبى شريح : ما قال لك عمرو ؟ فقال أبو شريح : قال لي يا أبا شريح أنا أعلم بذلك منك . إن الحرم لا يعيذ عاصيا - أي لا يجيره ولا يعصم دمه - ولا فارا بدم - أي أن الحرم لا يجير إنسانا هاربا إليه لسبب من الأسباب الموجبة للقتل - ولا فارا بخربة - أي بسبب سرقة أو خيانة « 3 » . ولقد كان أهل الجاهلية يعظمون المسجد الحرام - وخصوصا أهل مكة - فلما جاء الإسلام أقر له هذه الميزة وزكاها ، ووضع لها الضوابط والأحكام التي تضمن استعمالها في الوجوه التي شرعها اللَّه .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 297 . ( 2 ) أراد بقوله : سمعته أذناي . . . إلخ المبالغة في تحقيق حفظه إياه ، وتيقنه من زمانه ومكانه ولفظه . ( 3 ) أخرجه البخاري في كتاب العلم . باب فليبلغ الشاهد الغائب ج 1 ص 37 وأخرجه مسلم في كتاب الحج ج 4 ص 109 .