سيد محمد طنطاوي
187
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والجواب أن الوضع غير البناء ، فالذي أسس المسجد الأقصى ووضعه في الأرض بأمر اللَّه سيدنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وبين إبراهيم ويعقوب هذه المدة التي جاءت في الحديث ، أما سليمان فلم يكن مؤسسا للمسجد الأقصى أو واضعا له وإنما كان مجددا فلا إشكال ولا منافاة . وإذن فالبيت الحرام أسبق بناء من المسجد الأقصى ، وأجمع منه للديانات السماوية ، وهو - أي البيت الحرام - أول بيت جعل اللَّه الحج إليه عبادة مفروضة على كل قادر على الحج ، وجعل الطواف حوله عبادة ، وتقبيل الحجر الأسود الذي هو ضمن بنائه عبادة . . ولا يوجد بيت سواه في الأرض له من المزايا والخصائص ما لهذا البيت الحرام . وبذلك ثبت كذب اليهود في دعواهم أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام ، وأن في تحول الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى الكعبة في صلاته مخالفة للأنبياء قبله . ثم مدح اللَّه - تعالى - بيته بكونه * ( مُبارَكاً ) * أي كثير الخير دائمه ، من البركة وهي النماء والزيادة والدوام . أي أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه ، أو طاف حوله ، بسبب مضاعفة الأجر ، وإجابة الدعاء ، وتكفير الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة اللَّه رب العالمين . وإن هذا البيت في الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية . فمن بركاته المادية : قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومغاربها ومعهم خيرات الأرض ، يقدمونها على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة أخرى لمن يسكنون حول هذا البيت الحرام ، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم حيث قال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ « 1 » ومن بركاته المعنوية : أنه مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهي فريضة الحج ، وإليه يتجه المسلمون في صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم . وقوله * ( مُبارَكاً ) * حال من الضمير في « وضع » . ثم مدحه بأنه * ( هُدىً لِلْعالَمِينَ ) * أي بذاته مصدر هداية للعالمين ، لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، وفي استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير وإلى ما يوصلهم إلى رضا اللَّه وجنته .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآية 37 .