سيد محمد طنطاوي

184

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حلالا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فإنه قد حرم عليهم في التوراة ، وليس منه ما زادوه من محرمات وادعوا صحة ذلك . ثم توعدهم - سبحانه - على كذبهم وجحودهم فقال - تعالى - : فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّه الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . افترى : من الافتراء وهو اختلاق الكذب ، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود . أي : فمن تعمد الكذب على اللَّه - تعالى - بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على بني إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم ، كان محرما عليهم وعلى غيرهم قبل نزولها ، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون في الظلم : المتجاوزون للحدود التي شرعها اللَّه - تعالى - ، وسيعاقبهم - سبحانه - على هذا الظلم والافتراء عذابا أليما لا مهرب لهم منه ولا نصير . والفاء في قوله فَمَنِ افْتَرى للتفريع ، ومِنْ يحتمل أن تكون شرطية وأن تكون موصولة ، وقد روعي في الآية الكريمة لفظها ومعناها . وقوله مِنْ بَعْدِ ذلِكَ متعلق بافترى ، واسم الإشارة ذلك يعود إلى أمرهم بإحضار التوراة وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة . واسم الإشارة « أولئك » يعود إلى « من » وهو عبارة عن هؤلاء اليهود الذين جادلوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالباطل وافتروا على اللَّه الكذب . ويحتمل أن يكون المشار إليه وهو مِنْ عاما لكل كاذب ويدخل فيه اليهود دخولا أوليا . وقد أكد اللَّه - تعالى - وصفهم بالظلم بضمير الفصل الدال على أنهم كاملون فيه ، وموغلون في اقترافه والتمسك به . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يدعوهم إلى اتباع ملة إبراهيم إن كانوا حقا يريدون اتباعها فقال - تعالى - : * ( قُلْ صَدَقَ اللَّه فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) * أي : قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين جادلوك بالباطل ولكل من كان على شاكلتهم في الكذب والظلم ، قل لهم جميعا : صدق اللَّه فيما أخبرنا به في قوله - تعالى - * ( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِه ) * وفي كل ما أخبرنا به في كتابه وعلى لسان رسوله . وأنتم الكاذبون في دعواكم . وإذ كنتم تريدون الوصول إلى الطريق القويم حقا * ( فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) * أي فاتبعوا