سيد محمد طنطاوي

173

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يشهدون بأن الرسول حق ، وجاءتهم البينات اليقينية الملزمة التي تؤيد إيمانهم وشهادتهم ، ومع كل ذلك استحبوا العمى على الهدى ، واختاروا الكفر على الإيمان ، واستولى عليهم التعصب بالباطل فأرداهم وحرمهم من هداية اللَّه حتى يغيروا ما بأنفسهم ويتوبوا عن غيهم ، ويصلحوا ما أفسدوه ، ويخلصوا وينيبوا إلى خالقهم وبارئهم . قال صاحب الكشاف : « قوله * ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْماً ) * أي كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف ، لما علم اللَّه من تصميمهم على كفرهم ، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم ، وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوة - وهم اليهود - كفروا بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعد أن كانوا مؤمنين به ، وذلك حين عاينوا ما يوجب قوة إيمانهم من البينات . فإن قلت : علام عطف قوله * ( وشَهِدُوا ) * ؟ قلت : فيه وجهان : أن يعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل ، لأن معناه بعد أن آمنوا . ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار « قد » . بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق » « 1 » . وقوله - تعالى - * ( واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * جملة حالية أو معترضة . والمعنى : أنه - سبحانه - قد مضت سنته في خلقه أنه لا يهدى إلى الحق أولئك الذين آثروا الكفر على الإيمان ، عن تعمد وإصرار ، ووضعوا الشيء في غير موضعه مع علمهم بسوء صنيعهم . وفي تذييل الآية الكريمة بهذه الجملة مع إطلاق لفظ الظلم ، إشعار بأنهم قد ظلموا أنفسهم . بإيقاعها في مهاوي الردى والعذاب وظلموا الرسول الذي شهدوا له بأن ما جاء به هو الحق ثم كفروا به ، وظلموا الحقائق والبراهين التي نطقت بأحقية الإيمان وببطلان الكفر ثم تركوا هذه الحقائق والبراهين وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم ومطامعهم . وإن الظلم متى سيطر على النفوس أفقدها رشدها وإدراكها للأمور إدراكا سليما ، وصدق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حيث يقول : « اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة » . ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء الظالمين فقال : * ( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّه والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * . قال الراغب : اللعن : الطرد والإبعاد على سبيل السخط ، وذلك من اللَّه - تعالى - في

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 381 .