سيد محمد طنطاوي

169

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وآمنا كذلك بما « أُنْزِلَ عَلَيْنا » من قرآن يهدى إلى الرشد ، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم . وآمنا أيضا بما أنزله اللَّه - تعالى - من وحى وصحف على « إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْباطِ » . وآمنا - أيضا - بما آتاه اللَّه لموسى وعيسى من التوراة والإنجيل وغيرهما من المعجزات ، وبما آتاه لسائر أنبيائه من وحى وآيات تدل على صدقهم . « لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ » أي لا نفرق بين جماعة الرسل فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتاب ، إذ فرقوا بين أنبياء اللَّه وميزوا بينهم وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - « نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ » وهم في الحقيقة كافرون بهم جميعا ، لأن الكفر بواحد من الأنبياء يؤدى إلى الكفر بهم جميعا ، ولذا فنحن معاشر المسلمين نؤمن بجميع الأنبياء بلا تفرقة أو استثناء . « ونَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ » أي خاضعون له وحده بالطاعة والعبودية . مستجيبون له في كل ما أمرنا به وما نهانا عنه . فالآية الكريمة تأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يخبر عن نفسه وعمن معه بأنهم آمنوا باللَّه وبكتبه وبرسله جميعا بدون تفرقة بينهم ، لأنها شرائع اللَّه - تعالى - التي أنزلها على أنبيائه ، كلها مرتبط بعضها ببعض ، وكلها تتفق على كلمة واحدة هي إفراد اللَّه - تعالى - بالعبودية والطاعة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى أنزلها على أنبيائه ، كلها مرتبط بعضها ببعض ، وكلها تتفق على كلمة واحدة هي إفراد اللَّه - تعالى - بالعبودية والطاعة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم عدى أنزل في هذه الآية بحرف الاستعلاء « أُنْزِلَ عَلَيْنا » ، وفيما تقدم من مثلها - في سورة البقرة - بحرف الانتهاء ؟ « أُنْزِلَ إِلَيْنا » قلت : لوجود المعنيين جميعا ، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهى إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر . ومن قال إنما قيل هنا « عَلَيْنا » لقوله « قُلْ » وقيل هناك « إِلَيْنا » لقوله « قُولُوا » تفرقة بين الرسل والمؤمنين ، لأن الرسول يأتيه الوحي على طريق الاستعلاء ، ويأتيهم على وجه الانتهاء ، من قال ذلك تعسف . ألا ترى إلى قوله « بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » وإلى قوله « آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا » « 1 » . وخص هؤلاء الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بالذكر ، لأن أهل الكتاب يزعمون أنهم يؤمنون

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 381 .