سيد محمد طنطاوي

167

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وبعد أن بين - سبحانه - أن الإيمان بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حق لا ريب فيه ، وأنه واجب على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، عقب ذلك ببيان أن كل من كره الإيمان بما جاء به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فإنه يكون بعيدا عن الدين الحق ، مستحقا للعقاب الأليم فقال - تعالى - « أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّه يَبْغُونَ ولَه أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْه يُرْجَعُونَ » . والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، وهمزة الاستفهام داخلة على فعل محذوف ، والفاء الداخلة على « غير » عاطفة لجملة « يَبْغُونَ » على ذلك المحذوف الذي دل عليه الاستفهام وعينه المقام . والمعنى : أيتولون عن الإيمان بعد هذا البيان فيبغون دينا غير دين اللَّه الذي هو الإسلام . ومعنى « يَبْغُونَ » يطلبون . يقال بغى الأمر يبغيه بغاء - بضم الباء - أي طلبه . وقوله - تعالى - « ولَه أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً » جملة حالية . أي أيبغون دينا غير دين اللَّه والحال أن اللَّه - تعالى - استسلم وانقاد وخضع له من في السماوات والأرض طوعا وكرها . أي طائعين وكارهين فهما مصدران في موضع الحال . والمراد أن كل من في السماوات والأرض قد انقادوا وخضعوا للَّه - تعالى - إما عن طواعية واختيار وهم المؤمنون لأنهم راضون في كل الأحوال بقضائه وقدره ، ومستجيبون له في المنشط والمكره والعسر واليسر . وإما عن تسخير وقهر وهم الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته النافذة ، فهم مع كفرهم لا يستطيعون دفع قضائه - سبحانه - وإذن فهم خاضعون لسلطانه - عز وجل - لأنهم لا سبيل لهم ولا لغيرهم إلى الامتناع عن دفع ما يريده بهم . هذا ، وقد ساق الفخر الرازي جملة آراء في معنى الآية الكريمة ثم اختار أحدها فقال ما ملخصه : في خضوع من في السماوات والأرض للَّه وجوه : أصحها عندي أن كل ما سوى اللَّه - سبحانه - ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ، ولا يعدم إلا بإعدامه ، فإن كل ما سوى اللَّه فهو منقاد خاضع لجلال اللَّه في طرفي وجوده وعدمه . وهذا هو نهاية الخضوع والانقياد . ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى : وهي أن قوله « ولَه أَسْلَمَ » يفيد الحصر ، أي وله كل ما في السماوات والأرض لا لغيره . فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد ، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ، ولا يفنى إلا بإفنائه « 1 » والآيات في هذا المعنى كثيرة .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 130 .