سيد محمد طنطاوي
153
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مسلم بغير حقه لقى اللَّه وهو عليه غضبان « قال عبد اللَّه . ثم قرأ علينا رسول اللَّه مصداقه من كتاب اللَّه ، * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه ) * إلخ . وفي رواية قال : « من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى اللَّه وهو عليه غضبان ، فأنزل اللَّه - تعالى - تصديق ذلك * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه ) * . قال عبد اللَّه : فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا : كذا وكذا . فقال : صدق . في نزلت ، كان بيني وبين رجل خصومة في بئر ، فاختصمنا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : شاهداك أو يمينه ؟ قلت : إنه إذا يحلف ولا يبالي فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقى اللَّه وهو عليه غضبان » ، ونزلت : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) * « 1 » . وروى البخاري عن عبد اللَّه بن أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف باللَّه لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، فنزلت * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) * « 2 » . وقال الفخر الرازي : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد اللَّه إليهم في التوراة من أمر محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا بأنه من عند اللَّه لئلا يفوتهم الرشا » « 3 » . هذه ثلاث روايات في سبب نزول تلك الآية الكريمة ، وأرجحها رواية الشيخين ، ولذا وجب الأخذ بها إلا أن نزول الآية في قصة معينة لا يمنع شمول حكمها لكل ما يشبه هذه القصة أو الحادثة ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما يرى جمهور العلماء - . فكل من حلف باللَّه كاذبا ، واشترى بعهده - سبحانه - ثمنا قليلا حقت عليه العقوبة التي بينتها الآية الكريمة . ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا أولئك اليهود الذين خانوا عهد اللَّه بإنكارهم لنبوة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة . والمراد بقوله * ( يَشْتَرُونَ ) * أي يستبدلون ، وذلك لأن المشترى يأخذ شيئا ويعطى شيئا . فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر . والمراد * ( بِعَهْدِ اللَّه ) * كل ما يجب الوفاء به ، فيدخل فيه ما أوجبه اللَّه - تعالى - على عباده من فرائض وتكاليف ، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، كما يدخل فيه - أيضا - ما أوجبه اللَّه على أهل الكتاب من الإيمان بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي يجدون نعته في كتبهم ، ويعرفون
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب « إن الذين يشترون » ج 6 ص 42 وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب « إن الذين يشترون » ج 6 ص 43 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 111 .