سيد محمد طنطاوي

126

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - * ( ذلِكَ نَتْلُوه عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الْحَكِيمِ ) * اسم الإشارة فيه وهو « ذلك » مشار به إلى المذكور من قصة آل عمران وقصة مريم وأمها ، وقصة زكريا وندائه لربه ، وقصة عيسى وما أجراه اللَّه - تعالى - على يديه من معجزات وما خصه به من كرامات . أي ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد * ( نَتْلُوه عَلَيْكَ ) * أي نقصه عليك متتابعا بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه . فأنت لم تكن معاصرا لهؤلاء الذين ذكرنا لك قصصهم وأحوالهم وهذا من أكبر الأدلة على صدقك فيما تبلغه عن ربك . وقوله * ( ذلِكَ ) * مبتدأ وقوله * ( نَتْلُوه عَلَيْكَ ) * خبره . وقوله * ( مِنَ الآياتِ ) * حال من الضمير المنصوب في * ( نَتْلُوه ) * . والمراد بالآيات الحجج الدالة على صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقوله * ( والذِّكْرِ الْحَكِيمِ ) * أي والقرآن المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمشتمل على الحكم التي من شأنها أن تهدى الناس إلى ما يسعدهم متى اتبعوها وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي نقلت منه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم بين - سبحانه - أن خلق عيسى من غير أب ليس مستبعدا على اللَّه - تعالى - فقد خلق آدم كذلك فقال : * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّه كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * . والمثل هنا : بمعنى الصفة والحال العجيبة الشأن ، ومحل التمثيل كون كليهما قد خلق بدون أب ، والشيء قد يشبه بالشيء متى اجتمعا ولو في وصف واحد . والمعنى : إن شأن عيسى وحاله الغريبة * ( عِنْدَ اللَّه ) * أي في تقديره وحكمه * ( كَمَثَلِ آدَمَ ) * أي كصفته وحاله العجيبة في أن كليهما قد خلقه اللَّه - تعالى - من غير أب ، ويزيد آدم على عيسى أنه خلق بدون أم - أيضا - . فالآية الكريمة ترد ردا منطقيا حكيما يهدم زعم كل من قال بألوهية المسيح أو اعتبره ابن اللَّه . وكأن الآية الكريمة تقول لمن ادعى ألوهية عيسى لأنه خلق من غير أب : أنه إذا كان وجود عيسى بدون أب يسوغ لكم أن تجعلوه إلها أو ابن إله فأولى بذلك ثم أولى آدم لأنه خلق من غير أب ولا أم . وما دام لم يدع أحد من الناس ألوهية آدم لهذا السبب فبطل حينئذ القول بألوهية عيسى لانهيار الأساس الذي قام عليه وهو خلقه من غير أب . ولأنه إذا كان اللَّه - تعالى - قادرا على أن يخلق إنسانا بدون أب ولا أم . فأولى ثم أولى أن يكون قادرا على خلق إنسان من غير أب فقط . ومن أم هي مريم التي تولاها - سبحانه - برعايته وصيانته لها من كل سوء وجعلها وعاء لهذا النبي الكريم عيسى - عليه السّلام - .