سيد محمد طنطاوي
122
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فأنت ترى أن أصحاب هذا الرأي يفسرون التوفي بالإماتة ، ويقولون إن هذا التفسير هو الظاهر من معنى التوفي ويفسرون * ( ورافِعُكَ إِلَيَّ ) * بمعنى رفع الروح إلى السماء . أي أن اللَّه - تعالى - قد توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها ، ورفع روحه إليه كما يرفع أرواح النبيين . والذي تسكن إليه النفس هو القول الأول لأمور : أولها : أن قوله - تعالى - في سورة النساء وما قَتَلُوه يَقِيناً ، بَلْ رَفَعَه اللَّه إِلَيْه « 1 » يفيد أن الرفع كان بجسم عيسى وروحه لأن الإضراب مقابل للقتل والصلب الذي أرادوه وزعموا حصوله ، ولا يصح مقابلا لهما رفعه بالروح لأن الرفع بالروح يجوز أن يجتمع معهما وما دام الرفع بالروح لا يصح مقابلا لهما إذن يكون المتعين أن المقابل لهما هو الرفع بالجسد والروح . ثانيها : أن هناك أحاديث متعددة ، بلغت في قوتها مبلغ التواتر المعنوي - كما يقول ابن كثير - قد وردت في شأن نزول عيسى إلى الأرض في آخر الزمان ليملأها عدلا كما ملئت جورا ، وليكون حاكما بشريعة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، يقتل الدجال ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، وتكون السجدة واحدة اللَّه رب العالمين » « 2 » . وظاهر هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث الصحيحة في شأن نزول عيسى ، يفيد أن نزوله يكون بروحه وجسده كما رفعه اللَّه إليه بروحه وجسده . ثالثا : أن هذا القول هو قول جمهور العلماء ، وهو القول الذي يتناسب مع ما أكرم اللَّه - تعالى - به عيسى - عليه السلام - من كرامات ومعجزات . قال بعض العلماء ما ملخصه : وجمهور العلماء على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء . والخصوصية له - عليه السلام - هي في رفعه بجسده ، وبقاؤه فيها إلى الأمد المقدر له ولا يصح أن يحمل التوفي على الإماتة لأن إماتة عيسى في وقت حصار أعدائه ليس فيها ما يسوغ الامتنان بها ورفعه إلى السماء جثة هامدة سخف من القول . وقد نزه اللَّه السماء أن تكون قبورا لجثث الموتى . وإن كان الرفع بالروح فقط فأي مزية لعيسى في ذلك على سائر الأنبياء ، والسماء مستقر أرواحهم الطاهرة . فالحق أنه - عليه السلام - رفع إلى السماء حيا
--> ( 1 ) الآيتان 157 ، 158 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 578 .