سيد محمد طنطاوي
119
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفاء في قوله * ( فَلَمَّا ) * تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة . أي أنهم بعد أن رأوا ما رأوا من معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة أمرهم بل كذبوه على الفور ، وحاولوا قتله تخلصا منه واستمروا على كفرهم . والتعبير بأحس - كما أشرنا من قبل - يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس . والمقول لهم * ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ) * هم الحواريون كما يشير إليه قوله - تعالى - في سورة الصف : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّه كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه وقيل المقول لهم جميع أفراد قومه . وقوله * ( مِنْهُمُ ) * متعلق بأحس . ومن لابتداء الغاية أي ابتداء الإحساس من جهتهم . أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أي أحس الكفر حال كونه صادرا منهم . وقوله * ( إِلَى اللَّه ) * متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء في أنصارى . أي من أنصارى حال كوني ذاهبا إلى اللَّه أي ملتجئا إليه وشارعا في نصرة دينه . وفي قوله * ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ) * حض لهم على المسارعة إلى نصرة الحق لأنهم لا ينصرونه من أجل متعة زائلة . وإنما هم ينصرونه لأنه يدافع عن دين اللَّه ويبشر به ، ومن نصر دين اللَّه ، نصره اللَّه تعالى . والآية الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من بني إسرائيل ، بدليل أنه - سبحانه - نسب الكفر إليهم في قوله * ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) * وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة ، والمؤمنون هم القلة غير الظاهرة حتى لكأن عيسى بقوله * ( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّه ) * يبحث عنهم من بين تلك الجموع الكثيرة من الكافرين . وهنا يحكى القرآن أن المؤمنين الصادقين - مع قلتهم - لم يتقاعسوا عن تلبية نداء عيسى - عليه السلام - فقال اللَّه - تعالى - * ( قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّه آمَنَّا بِاللَّه واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) * والحواريون جمع حواري وهم أنصار عيسى الذين آمنوا به وصدقوه ، وأخلصوا له ولازموه وكانوا عونا له في الدعوة إلى الحق . يقال فلان حواري فلان أي خاصه من أصحابه ومنه قول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في الزبير بن العوام : « لكل نبي حواري وحواريي الزبير » وأصل مادة « حور » هي شدة البياض . أو الخالص من البياض ، ولذلك قالوا في خالص لباب الدقيق الحوارى . وقالوا في النساء البيض الحواريات والحوريات . وقد سمى - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين لأنهم أخلصوا للَّه - تعالى نياتهم ،