سيد محمد طنطاوي
111
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فأنت ترى في هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما عن طبيعة رسالة عيسى - عليه السّلام - وعن معجزاته التي أكرمه اللَّه - تعالى - بها . وقوله - تعالى - : * ( ويُعَلِّمُه الْكِتابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإِنْجِيلَ ) * معطوف على يُبَشِّرُكِ أي : يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه . . وإن اللَّه يعلم ذلك المولود - المعبر عنه بالكلمة - الكتاب ، وقرأ بعضهم ونعلمه الكتاب . . وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة معمولة لقول محذوف من كلام الملائكة أي ويقول اللَّه - تعالى - ونعلمه . . وتكون في المعنى معطوفة على الحال وهي قوله « وجيها » فكأنه قال : وجيها ومعلما . وعلى كلتا القراءتين يجوز أن تكون الجملة مستأنفة سيقت تطييبا لقلب مريم ، وإراحة لما أهمها من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير أن يمسها بشر . ولقد حكى القرآن عنها في سورة مريم قولها بتحسر وألم عندما جاءها المخاض يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا . والمراد بالكتاب الكتابة والخط . فإن عيسى - عليه السّلام - قد بعثه اللَّه - تعالى - في أمة ارتقت فيها ألوان العلم والمعرفة فأكرمه اللَّه بأن جعله يفوق غيره في هذه النواحي . وقيل المراد بالكتاب جنس الكتب الإلهية . قال الفخر الرازي : « والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة . ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق ، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن صار علما بالخط والكتابة ومحيطا بالعلوم العقلية والشرعية يعلمه التوراة . وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن التوراة كتاب إلهي فيه أسرار عظيمة والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه