سيد محمد طنطاوي
107
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وناقة عيساء وجمعها عيس وهي إبل بيض يعترى بياضها بعض الظلمة » « 1 » أي فيها اغبرار قليل يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا . وابن مريم : هو كنيته ، وهي للإشارة إلى أن نسبه ثابت لأمه لا لأحد سواها وليس ابنا اللَّه - تعالى - كما قال الضالون . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم ؟ قلت : لأن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات ، فأعلمت بنسبه إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه . وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين : فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة . قلت لأن المسمى بها مذكر . فإن قلت : لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء : الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة ؟ قلت : الاسم المسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره ، فكأنه قيل : الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة » « 2 » . والمعنى الإجمالي للجملة الكريمة : اذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة لمريم : يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه أي بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب ، هذا المولود العجيب اسمه الذي يميزه لقبا المسيح ويميزه علما عيسى ويميزه كنية ابن مريم . فأنت ترى أنه - سبحانه - قد عرف هذا المولود العظيم بتعريف واحد جمع ثلاثة أمور كل واحد منها يشير إلى معنى كريم قد تحقق في هذا النبي العظيم ومجموع هذه الأمور لا يشاركه فيها أحد من البشر ، ثم بعد ذلك وصفه - سبحانه - بأربعة أوصاف تدل على فضله وعلو منزلته فقال - تعالى - * ( وَجِيهاً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ الْمُقَرَّبِينَ ويُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصَّالِحِينَ ) * . أما الصفة الأولى فهي قوله - تعالى - : * ( وَجِيهاً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ) * أي ذا جاه وشرف ومنزلة عالية . يقال وجه الرجل يوجه - من باب ظرف - وجاهة فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس . واشتقاقه من الوجه لأنه أشرف الأعضاء ولأنه هو الذي يواجه الإنسان به غيره . وعيسى عليه السّلام ، شهد اللَّه تعالى له ، - وكفى باللَّه شهيدا - شهد له بالوجاهة وسمو المنزلة في الدنيا والآخرة لما له من آثار عظيمة في هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى
--> ( 1 ) مفردات القرآن للراغب الاصفهاني ص 353 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 363 .