سيد محمد طنطاوي

9

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الكتاب فقالت : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ، ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ . ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّه وحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّه ، ويَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ . لَيْسُوا سَواءً . وبعد أن أقامت السورة الكريمة - في عشرات الآيات منها - الأدلة الواضحة ، وساقت الحجج الساطعة على صحة دين الإسلام . . انتقلت إلى الحديث عن معارك السيف والسنان التي دارت بين أهل الحق وأهل الباطل . فتحدثت في الربع السابع والثامن والتاسع والعاشر منها عن غزوة أحد . وكان حديثها عن هذه الغزوة زاخرا بالتوجيهات الحكيمة والتربية القويمة ، والوصايا الحميدة ، والعظات الجليلة والتشريعات السامية ، والآداب العالية . كان حديثها عنها هاديا للمسلمين في كل زمان ومكان إلى الطريق الذي يوصلهم إلى النصر ليسلكوه ، موضحا لهم طريق الفشل ليجتنبوه . كان حديثها عنها يدعو المسلمين كافة إلى الاعتبار بأحداث الحياة « وكيف أنها تسير على سنن وقوانين علينا أن نطلبها ونسلك السبيل إلى تعلمها ، وأن أحداث الحياة ليست مجموعة من المصادفات المتوالية ، أو التدفق العشوائى ، وإنما للنصر قوانين ، وللهزيمة قوانين . ومن الممكن أن ينهزم المسلمون في حرب ولو كان فيهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا ما خالفوا عن أمره ، وسلكوا غير سبيل النصر ، وأن لهم النصر على عدوهم وإن فاقهم عددا وعدة إذا ما استطاعوا أن يرتفعوا إلى ما فوق فاعلية عدوهم إيمانا وعلما وتنظيما » « 1 » . لقد بدأت سورة آل عمران حديثها عن غزوة أحد بتذكير المؤمنين بما فعله الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قبل بدء المعركة من إعداد وتنظيم للصفوف ، وبما هم به بعضهم من فشل ، وبما تم لهم من نصر على أعدائهم في غزوة بدر . . استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول : وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا واللَّه وَلِيُّهُما ، وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّه بِبَدْرٍ وأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ، فَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وفي هذا الربط بين الغزوتين تذكير للمؤمنين بأسباب انتصارهم في بدر وأسباب هزيمتهم في

--> ( 1 ) من كتاب « دروس من غزوة أحد » ص 11 للدكتور عبد العزيز كامل .