الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

508

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

شقاق واللَّه العالم بحقائق الأمور . وهنا أمر لا بأس بذكره ، لأنه نافع للعابدين جدا وموجب لقلع الرياء والعجب وقمعه عن القلوب فنقول : قد يقال : إنه تعالى إذا هدى المؤمنين فكيف يميلهم عن الإيمان والحق قبل أن يميلوا بسوء اختيارهم وقد قال تعالى : إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم 13 : 11 ( 1 ) هذا مع أن الفيض منه تعالى دائم الظهور والمؤمن القابل له دائم الطاعة ، والطاعة هي القبول منه تعالى ، وهو يوجب ثبات الفيض أعني الإيمان منه تعالى على العبد ، وحينئذ بعد تحقق علل الفيض وعلل بقائه فلا معنى للقول والدعاء منه تعالى بربنا لا تزغ قلوبنا . . إلخ ، فإن العلة إذا تحققت تحقق المعلول لا محالة فالدعاء المذكور كأنه لا وجه له ؟ قلت : تمامية العلة بنحو ما ذكر لا يوجب إلزام اللَّه تعالى على بقاء المعلول ( أي الفيض والإيمان ) بنحو لا يمكن له تعالى بعد تحقق العلة سلب المعلول ، فإن هذا موجب لكون يده تعالى مغلولة ، وهذا مقالة اليهود وقد ردّها اللَّه تعالى بقوله : غلَّت أيديهم 5 : 64 . . . بل يداه مبسوطتان 5 : 64 ( 2 ) الآية ، ثم إن إمكان سلب المعلول بعد تحقق العلة منه تعالى لا يستلزم سلبه ( أي سلب المعلول ) كما في قوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك 17 : 86 ( 3 ) . فإن هذه الجملة شرطية وصدق الجملة الشرطية بصدق الملازمة لا بصدق الطرفين وتحققهما كما حقق في محله ، فإمكان أن يذهب اللَّه تعالى بالذي أوحاه إليه صلَّى اللَّه عليه وآله لا يستلزم وقوعه ، فإنه تعالى لا يفعل ذلك بنبيه صلَّى اللَّه عليه وآله مع أنه تعالى على كل شيء قدير ، فإنه تعالى مع أنه له تعالى أن يسلب الفيض عن جميع خلقه ، ومع ذلك عادته الإحسان والجميل على المسيئين فضلا عن المحسنين وفضلا عن النبي الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله ، ثم إن هذا الإمكان يصحح كون فيضه عليهم من

--> ( 1 ) الرعد : 11 . . ( 2 ) المائدة : 64 . . ( 3 ) الإسراء : 86 . .