الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
360
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
النفس فهي بالحقيقة مركب لذلك النور الإلهي . وبعبارة أخرى : أن النفس جوهرة روحانية ، سماوية نورانية ، حيّة بالذات بالحياة الأولية فعلا وفي الدنيا ، وبالحيوة الأخروية قوة علامة بالقوة ، قابلة للتقديس فعّالة في الأجسام بالآلة ، ومستعملة للآلات ، ومتممة للأجسام الحيوانية والنباتية إلى وقت معلوم قدّره قضاؤه تعالى للأشياء . وبعبارة أخرى : أن النفس الإنسانية تكون بمثابة من القدرة بحيث لها الاقتدار على إنشاء الصور الباطنة عن الحواس ، فلها في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر والأعراض المفارقة والمادية والأفلاك المتحركة والساكنة والعناصر والمركبات ، وسائر الخلائق الحاصلة عندها بقدرتها واختراعها ، التي منحها اللَّه تعالى إن زكَّاها صاحبها بالعلم والعمل الصالح والنفس تشاهدها ، أي تشاهد عوالمها ومخترعاتها بنفس حصولاتها لها بحصولات أخرى وإلا يتسلسل لا إلى نهاية وهو كما ترى . ومن هذه القوة والقدرة التي تكون للنفس ، تكون الكرامات التي حصلت لأولياء اللَّه تعالى من إيجاد الصور الغيبية في الدنيا كما نقل لكثير من الكمّلين . فهم عليهم السّلام قد بلغوا في قوة النفس نفسهم الشريفة إلى أن يتشبح لهم في هذا العالم الجلوات الإلهية بحقيقتها ، التي هي حقيقة الوحي هذا للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله فيشاهد صلَّى اللَّه عليه وآله الملك الملقى إليه الوحي عيانا ، ويسمع كلام اللَّه كفاحا بعبارات أنيقة وألفاظ فصيحة دقيقة المعاني في غاية الفصاحة والسلاسة والنفاسة ويطلع بتعليمه وإلقائه على المغيبات الجزئية ، ويخبر عن الحوادث الماضية والآتية ، بل علمت سابقا أن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله يتلقى الوحي عنه تعالى بلا وساطة أحد . وأما الأئمة عليهم السّلام فهم لا يفرقون عن النبي في هذه العلوم ، إلا في أنهم ليسوا أنبياء فقط ، وأما في سائر الكمالات فنفوسهم كنفس النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وأرواحهم كروحه صلَّى اللَّه عليه وآله كما تقدم وفي الدعاء : " أشهد أنهم في علم اللَّه وطاعته كمحمد صلَّى اللَّه عليه وآله " . وقد يقال : إن النفس إذا فارقت الدنيا تكون لها هذه القوة والقدرة على إيجاد