الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

349

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وفي المحكي عنه صلَّى اللَّه عليه وآله أيضا : " سبق المفردون ، سبق المفردون ، قيل : ومن هم يا رسول اللَّه ؟ قال : المستهترون بذكر اللَّه تعالى ، وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا " . هذه جملة من أحاديث الباب . واعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر المستنيرة بنور معرفة اللَّه تعالى أن ذكر اللَّه أفضل الأعمال الروحية والقلبية والنفسية والبدنية ولكن له مراتب بعضها قشور وبعضها لبّ ، وللذاكر أيضا مراتب بحسبه ، ولكلّ ذكر نتيجة بحسبه ، فإن نتيجة ذكر العبد للَّه ذكر اللَّه له ، كما قال : فاذكروني أذكركم 2 : 152 ، وتقدم شرحه في الجملة . قال بعض الأكابر ما حاصله : أن ذكر العبد للَّه ومحبته له ورضاءه عنه وسائر صفاته الحسنة وأعماله الصالحة مؤدّية له . إلى أمثال هذه النتائج على وجه أكمل وأعلى من ذكره تعالى له . قال رضوان اللَّه تعالى عليه في بيان الوجه لهذا : إن لكل شيء حادث كما له مبدأ كذلك قد يكون له غاية ، والمبادي للأشياء ذوات الغايات هي نفس الغايات بالذات وغيرها بالاعتبار ، كما حقق في محله ، أولا ترى أن تصور كل فاعل مختار لنتيجة فعله وكمال علمه متقدم علما على ثبوت تلك الغاية وهي متأخرة عنه عينا . فإذا كان هذا هكذا ، فنقول : لما كان اللَّه سبحانه مبدأ كل شيء وغايته ، وأول كل فكر وذكر ونهايته ، وظاهر كل موجود وباطنه ، فالأول عين الآخر والباطن عين الظاهر . فحينئذ نقول : إن ذكر العبد للَّه تعالى نتيجة ذكر اللَّه تعالى له ، فالذكر له تعالى أولا هو الذكر له آخرا وغاية ، وفي الذكر له ابتداء وصل اجمالي ، كما أن في الغاية وصلا تفصيلا ، وهذا من العلوم المختصة بأحبّاء اللَّه ومشتاقيه المجذوبين إليه ، وشرحه موكول إلى محله وأهله . وكيف كان فاللَّه سبحانه أمرنا بذكره بقوله تعالى : واذكروا اللَّه كثيرا لعلكم