الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

331

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

بعالم الغرور والخيال ، مع ما كان لهم أولا من الاستعداد لطلب الكمال ، والارتقاء إلى عالم الحق المتعال ، فأفسدوه بانكبابهم إلى أغراض هذا الأدنى ، وإعراضهم عن الطريقة المثلى ، وانحرافهم عن مطالعة آيات اللَّه الكبرى ، ومع ذلك يعاشرهم ويخالطهم بالظاهر ، ويكون البعد بينه وبينهم بحسب الباطن كما بين المشرق والمغرب ، فيكون معهم حاضرا بشخصه غائبا بقلبه ، يتعجّب هو من حضوره ، ويتعجبون من غيبته لو تفطنوا . ثم إن مقام الوصل والفناء بالمعنى المذكور هو ثمرة لباب الذكر ، وإنما مبدؤها ذكر اللسان ، ثم ذكر النفس تكلَّفا ، ثم ذكر القلب طبعا ، ثم استيلاء المذكور على الروح . ثم انمحاء الذكر عن السّر حقيقة وهذا سرّ قوله تعالى : واذكروا اللَّه كثيرا لعلَّكم تفلحون 62 : 10 ( 1 ) . وسرّ قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللَّه " ( 2 ) . بل سرّ قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " فضل الذكر الخفي على الذكر الذي يسمعه الحفظة بسبعين ضعفا " وستأتي بعض الأخبار في فضيلة الذكر . فيظهر من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " أن الذكر الخفي هو الذي لا يسمعه الحفظة ، وفضله عليه بسبعين ضعفا ، " والوجه فيه : إن كل ما يشعر به قلبك من الذكر فيسمعه الحفظة ، وذلك لأن شعورهم يقارن شعورك ويسلط علمهم على الشعور القلبي لك كما حققه الراسخون ، وأما إذا غاب ذكرك من شعورك بسبب ذهابك في المذكور بالكلية بالنحو المذكور فيما نحن فيه ، فلا محالة يغيب ذكرك عن شعور الحفظة فلا يسمعونه ولا يكتبونه . وفي إرشاد القلوب للديلمي رحمه اللَّه عن الصادق عليه السّلام ما يقرب بهذه الألفاظ " إن للَّه عبادا عاملوه لخالص من سره ، فعاملهم بخالص من برّه ، ثمّ تمرّ صحفهم يوم القيامة

--> ( 1 ) الجمعة : 10 . . ( 2 ) معاني الأخبار ص 321 . .