الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

284

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

كونه صلَّى اللَّه عليه وآله مطلعا على العوالم الإلهية عالما بحقائق الأشياء كما هي من المبدإ الأعلى وملكوته العلوي والسفلي ، وحقيقة النفس وأحوال الخلائق في تلك الدار ، ورجوع الكل إلى الواحد القهار علما مستفادا من إلهام اللَّه بطريق الكشف الروحي والإلقاء السبّوحي ، لا بوسيلة التعلم البشري والتعمّل الفكري ، كما تقدم من قوله عليه السّلام " ثم أنهى علم ذلك كله إلينا " . وأما الثانية : أي الخصائص المتعلقة بنفسه الشريفة : فهو كونه صلَّى اللَّه عليه وآله ذا قوة باطنية بها تتمثل له الحقائق بكسوة الأشباح المثالية في العالم المتوسط بين العالمين ، بل تسري قوته إلى الحس الظاهر فهي تتشبح له في هذا العالم ، فيشاهد الملك الملقى عيانا ، ويسمع كلام اللَّه منه كفاحا بعبارات أنيقة وألفاظ فسيحة دقيقة المعاني في غاية الفصاحة والسلاسة والنفاسة ، ويطَّلع بتعليمه وإلقائه على المغيبات الجزئية ، ويخبر من الحوادث الماضية والآتية . وأما الثالثة : أي الخصائص المتعلقة بحسّه صلَّى اللَّه عليه وآله : فهو كونه صلَّى اللَّه عليه وآله ذا قوة قوية ، وبسطة شديدة بها يقهر المعاندين والمنكرين ، ويتسلط على أعداء اللَّه وأولياء الشياطين ، وذا مصابرة على الشدائد والامتحانات ، واقتدار وتمكَّن على تجهيز الجيوش ، وتثبّت في الحروب والمبارزات . فمجموع هذه الخصائص الثلاث بكمالها وبأنواعها من خاصية الرسالة . وأما آحاد هذه الخواص فقد يوجد في غير الأنبياء بوجه : فإن الأولى مما يتحقق في الأولياء والحكماء ، وضرب من الخاصة الثانية وبعضها توجد في أهل الكهانة والرهبانيين ، والثالثة قد تكون في الملوك الشديدة البأس والهمة . ثم اعلم : أنه لما اقتضى حكم الإلهية الجامعة لجميع الكلمات المشتملة على الأسماء الحسني والصفات العليا أن يخلق ويبسط مملكة الإيجاد والرحمة ، ونشر لواء القدرة والحكمة بإظهار الممكنات وإيجاد المكونات من الخلائق ، وتسخير الأمور وتدبيرها ، وكان مباشرة هذا الأمر من الذات الأحدية القديمة بغير واسطة بعيدة