الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
273
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فنقول : قد تقدم أن الإمام عليه السّلام له مقام العنديّة للَّه تعالى ، وهو مقام لم يحجب عنه شيء من حقائق الأمور ، ولهذه الجهة قال أمير المؤمنين عليه السّلام : " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " . وإلى هذه المنزلة يشير قوله عليه السّلام : " إن للَّه عمودا من نور حجبه اللَّه عن جميع الخلائق " - أي لم يعط هذا النور إلا للإمام عليه السّلام - طرفه عند اللَّه وطرفه الآخر في أذن الإمام " والأذن كناية عن أذن القلب وهو حقيقته النورانية ، التي مرّ ذكرها ، ومعنى أوحاه في أذنه أن مشية اللَّه تعالى وإرادته تهبط إليهم ، أي إلى حقيقتهم النورانية كما مر في قولهم : " قلوبنا أوعية لمشية اللَّه " . ومن قولهم عليهم السّلام : " إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم ، " وهذا النور هو حقيقة مخلوقه من الملكوت ومن عالم الأمر ، له بصر ، أي لم يخف عليه شيء لإحاطته بالأمور ، وقوة ، أي لم يعجزه شيء لتسلَّطه عليها ، وتأييد ، أي من اللَّه تعالى . كيف لا وهو أول الحجاب والصادر الأول والقائم به تعالى بلا واسطة ، وله درك وشعور وكمال وعقل بل هو حقيقة هذه الأشياء الأربعة ، وهو عين اللَّه وأذنه وسمعه ، وهو الحقيقة المحمدية صلَّى اللَّه عليه وآله التي هي حقيقة الاسم الأعظم والأسماء الحسني ، ومحض الولاية الإلهية والعلوية العلياء ونفس الوصي وروح النبي ؟ وحيث إنه عين اللَّه ، فاللَّه تعالى ينظر به إلى الإمام عليه السّلام والإمام ينظر به إليه تعالى ، فعلم النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام بالأشياء بواسطة هذا النور . وأما قوله عليه السّلام : " إن اللَّه جعل بينه وبين الرسول رسولا ، ولم يجعل بينه وبين الإمام رسولا ، بل جعل بينه وبين الإمام عمودا من نور . . إلخ " . فاعلم : أن المراد من الرسول والإمام في هذا الحديث هو مقامهم البشري ، الذي هو القابلية المحضة لتلقي الوحي ودرك المعارف الإلهية ، فهم عليهم السّلام بلحاظ هذا المقام مظهر لتلك المعارف ، فهم حينئذ بشر لهم آثار البشرية إلا أنهم مظهر للوحي ،