الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
207
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
يكون فكره مصروفا في تحصيل الدنيا ولو من موارد الحلال ، ولكنه لشدة استغراقه في هذه الأمور المشروعة يكون ذاهلا وغافلا عن التأمل والتفكر في الحضرة الإلهية والمقامات الربوبية ، وفي حقائق علم الجبروت والملكوت ، والأسماء والصفات ، وأفعال الملك والملكوت ، ولم تكن ذائقة تفكَّره مصروفة في كيفية خلق السماوات والأرض ، وفي دقائق معرفة هذه الموجودات من الحكم والمصالح والمقاصد التي تكون منظورا لخالقها ، مع أنه أمر اللَّه تعالى في مواضع من كتابه الكريم بالتفكر فيها ، قال تعالى : أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللَّه من شيء وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون 7 : 185 ( 1 ) ، وكذا نظائره من سائر الآيات . وكيف كان لا يكون فكره مصروفا في هذه الأمور ، بل يكون معرضا عنها كما قال تعالى : وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرّون عليها وهم عنها معرضون 12 : 105 ( 2 ) فهذا الشخص وإن كان قلبه صافيا وعاملا بظاهر الشرع إلا أنه حيث لم يكن قلبه متوجّها إلى ما أمره اللَّه تعالى بالتفكَّر فيه مما ذكر ، فلا محالة لا ترتسم في قلبه الأنوار لعدم توجهه قلبا إليها بالتفكر ، مع أنه لا يرتسم في القلب إلا ما كان القلب متوجها إليه ، ولعل إلى هذا الانصراف والانحراف والنهي عنه يشير قوله تعالى فأنى تصرفون 10 : 32 ( 3 ) . ولعمري إنّ أغلب الناس من الصلحاء حالهم هذا فهم وإن كانوا من جهات صالحين إلا أنهم من هذه الجهة مقصرون ، ويا ليت أنهم كانوا غافلين عن التوجه إلى هذه الأمور المعنوية المأمور بها ولم ينكروها ولم ينكروا على العارف بها من أهل اللَّه وأهل التوحيد والمعرفة . فكيف كان فلا بد للسالك من رفع الحجاب
--> ( 1 ) الأعراف : 185 . . ( 2 ) يوسف : 105 . . ( 3 ) الزمر : 6 . .