الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
205
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الفطرة الأولية في مقام القوة كنفوس الأطفال فإنّ أرواحهم جوهرها محجوب بعالم الطبيعة والبدن ، فهي بعد مظلمة غير منوّرة كالحديدة أو الزجاجة التي لم تصر مجلوة ، فالصفاء والجلاء الذاتي فيها مخبي ومخفّي كخفاء الزيت في الزيتونة والدهن في اللبن ، فكما أنّ خروج الدهن من اللبن يحتاج إلى أعمال تخرجه من القوة والخفاء إلى الفعلية والجلاء ، فكذلك النفس الناطقة الإنسانية بحسب الفطرة تكون مظلمة ومكدرة ، ويكون الصفاء فيها مخفيا فلا بد من عمل فيه تزول به تلك الظلمة والكدورة . وأما الحجاب الثاني : حجاب الكدورة العارضة من قبل المعاصي والصفات الرذيلة كما أشير إليه في قوله : بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون 83 : 14 ( 1 ) وقوله تعالى : فأغشيناهم فهم لا يبصرون 36 : 9 ( 2 ) فإنّ النفس الناطقة الإنسانية قد تخبث بسبب انغمارها في الشهوات وارتكابها المعاصي وبالفسق فلا محالة يصير هذا الخبث والظلمة والكدورة العارضة من جهة المعاصي مانعة عن أن تتجلَّى فيه تلك الأنوار الإلهية والمعارف الحقة الربوبية . والحاصل : أنه كلما كثرت تلك الظلمات وتراكمت تلك الكدورات في القلب ، فلا محالة تصير مانعة عن تجلي الحق وأنواره في القلب . وقد علمت أنّ النور الإلهي والأنوار الإلهية هي التي بها يعلم الإنسان الأشياء بحقيقتها ، فإذا أظلم القلب ارتفع ذلك النور فحصل الجهل بالأمور ، ولا ريب في أن المعاصي تؤثر في القلب وفي انظلامه وكدورته ، كما قال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة شرّا يره 99 : 7 ( 3 ) ومعنى رؤيته في القلب هو وجدانه ظلمته الحاصلة من المعاصي وعمل الشر ، فلا محالة حينئذ يسقط القلب عن استعداده الذاتي لانكشاف الأنوار
--> ( 1 ) المطففين : 14 . . ( 2 ) يس : 9 . . ( 3 ) الزلزلة : 7 . .