الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
197
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
توسل الأنبياء عليهم السّلام بهم ، وناهيك في ذلك قوله عليه السّلام في تلك الأحاديث كما مرّ مرارا . أجمل الأمر : ما استأهل خلق النظر من اللَّه إليه إلا بالعبودية لنا ، أي بالخضوع والخشوع لنا ، ثمّ إن الناس في معرفتهم على مراتب كثيرة . قال الصادق عليه السّلام : " لو يعلم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله أو لكفره ، " ونحوه غيره كما لا يخفى . ثمّ إنه لا يمكن لأحد معرفتهم معرفته كما هو حقها إلا من شاؤوا كما تقدم من قولهم عليهم السّلام " إلا من شئنا " وهذا لكبر أمرهم وعظم شأنهم وعلوّ مقامهم ، فمن أرادوا أن يعرّفوه أنفسهم الشريفة منحوه ما به يقدر عليها ، وليس للخلق فيها حيلة ووسيلة إلا بلطفهم وعنايتهم ، رزقنا اللَّه ذلك بمحمد وآله . ويكفيك في غموض أمرهم وعظمة علمهم قول السجاد عليه السّلام كما تقدم : " إنّي لأكتم من علمي جواهره . . . إلخ " . ثمّ إن هاهنا كلاما في بيان قوله : " من أراد اللَّه بدأ بكم ، ومن قصده توجه بكم " لا بأس بذكره لطالبيه ، فلعل اللَّه تعالى يجعله نافعا لمن أراد السلوك إلى معرفته تعالى وأسأله أن يوفّقني لسلوكه بمحمد وآله الطاهرين ، وحري أن يسمى بالطريقة الوسطى لنيل السعادة العظمى . فنقول : اعلم أنّ الإنسان وإن كان من حيث الظاهر من الأجسام ومن جنس الحيوانات والأنعام إلا أنه يمتاز عن الأنعام بأن له نفسا وروحا يستعدّ لأن يستفيض الروح القدسي منه تبارك وتعالى ، ثم إنه وإن كان مساهما وشريكا مع الملائكة من حيث لطافة نفسه إلا أنه يمتاز عنهم من حيث إنه يمكنه أن يترقى من مقام إلى مقام أعلى ، ومن صورة معنوية إلى صورة أبهى وأحسن ، وله استعداد أن يسير في المقامات الكونية والتطورات الملكية والملكوتية والمعارج النفسانية والروحانية إلى أن يتخلَّق بالأخلاق الإلهية ويتعلم الأسماء الربوبية كما أشير إليه في