الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
191
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وحفظهما باللَّه تعالى ، فلا محالة تكون إرادتهم إرادة تلك الأمور التي بها تحصل البغية والطلبة . وقد يقال : إنه لما كانوا هم وسائط الفيض بحيث لا ينال ما عند اللَّه إلا بهم ، فلا محالة من أراد اللَّه يلزم أن يريدهم أولا لكونهم وسائط ، هذا بالنسبة إلى قوله " من أراد اللَّه بدأ بكم " . وأما قوله : " ومن وحّده قبل عنكم " . فمعناه أنّ من عرف التوحيد والمعارف الحقة فإنما قبلها منكم لا من غيركم ، وذلك لمّا دلّ البرهان عقلا ونقلا على أنه لا يكون عند أحد من الخلق حقّ إلا ما كان عنهم عليهم السّلام ومأخوذا منهم عليهم السّلام وقد أفاضوه من اللَّه تعالى للخلق ، وهم سبب وصوله منه تعالى إلى الخلق ، بل أقول هذا ثابت حتى بالنسبة إلى الأنبياء والملائكة كلهم أجمعين ، فإنه ما عرف اللَّه وما وحّد اللَّه أحد في الوجود إلا بتعليمهم والقبول منهم كما مرّ مرارا ، لأنهم عليهم السّلام أبوابه كما صرح به في الأحاديث ، ومن هذا يظهر ردّ من قال إنّا لا نحتاج إلى الأئمة عليهم السّلام في المعارف والاعتقادات ، لأنها أمور عقلية وإنما نحتاج إليهم في الشرعيات ، والوجه فيه أنّ العقل إنما هو سبب بالالزام على التفحّص وتحصيل المؤمّن وقبول الأدلة الدالة على المعارف والحقائق من المبدإ والمعاد من مظانّها أعني الكتاب وقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام وإما درك تلك الحقائق بواسطة العقل بدون بيان الكتاب والسنة فليس للعقل فيه مطمح ، لأنها أمور خفية غائبة عن الإدراكات البشرية ، ولذا نرى أنّ من لم يتبع الشرع فيها قد وقع الخلاف بينهم في دركها فالعقل يحكم ببطلان أحد المتخالفين لا محالة فيما تخالفا بالتناقض كما لا يخفى وهذا أمر ظاهر بين ، كما يشير إليه ما روي عن علي عليه السّلام " إن العقل لإقامة رسم العبودية لا لإدراك الربوبية " ذكره المحقق الشيرازي في أسرار الآيات ص 133 . ولعل مراد القائل بأنها أمور عقلية لا نحتاج فيها إلى الشرع هو أنّ العقل يحكم