الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
187
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فنقول : لا ريب في أن قوله : " ومن قصده . . . إلخ " يشير إلى مقام فوق مقام العبادة المأمورة بها في ظاهر الشرع المطهر ، حيث إنّ المتبادر منها أنّ من قصد اللَّه أي أراد معرفته والوصول إليه بحيث يصل إلى مقام الوصل المفسّر في كلمات العرفاء الحقّة بلقاء اللَّه تعالى ، فلا محالة لا يمكن هذا لأحد إلا لمن عرفهم عليهم السّلام بما هم أسماؤه الحسني ، وبما هم فانون فيه تعالى أي يلاحظ أسمائيّتهم بما هي مرآة الذات لا بالاستقلال كما تقدم . فحينئذ فمن نظر إليهم عليهم السّلام بما هم مرآة للذات المتعالية ، فلا محالة يصل إلى لقائه تعالى ، وهذا باطن قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " من رآني فقد رأى الحق " . ثم إن الموحد إذا عرف اللَّه هكذا من طريق معرفتهم ، فلا محالة يكون هو العابد له حقيقة ، ويلحق بهم عليهم السّلام من حيث إنهم عند اللَّه تعالى فتكون عبادته كعبادتهم له تعالى المرادة كما أشير إليه في قوله تعالى : إنّ الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون 7 : 206 ( 1 ) . وكيف كان فحيث إنهم بلحاظ فنائهم فيه لا وجود لهم إلا . وجوده تعالى ، ولا ظهور لهم إلا ظهوره تعالى ، فمن عرفهم هكذا فلا محالة عرفه تعالى كما هو ظاهر فيهم عليهم السّلام . ولعلّ إليه يشير قوله عليه السّلام " إنّ لنا مع اللَّه حالات . . . إلخ " ثمّ إنه لا ريب في أنّ من قصده لا يمكن له التوجه إلا إذا صار هو أيضا بالنسبة إليهم فانيا ، فإنّ معرفة الفاني فيه تعالى إنما يكون بالفناء عن النفس والفناء في هذا الفاني ، وإلا فلا يمكن تحصيل معرفتهم بالنورانية المترتبة عليها معرفة اللَّه تعالى ، والفناء لا يكون إلا بأن يتّصف بجميع صفاتهم عليهم السّلام التي اتّصفوا بها في مقام فنائهم فيه تعالى ولو بحسب ظرفيته وإمكانه فتأمل فإنه دقيق جدا . رزقنا اللَّه تعالى الوصول إليه .
--> ( 1 ) الأعراف : 206 . .