الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
137
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الثاني : أن النفوس والأرواح محبوسة في مضائق البدن والمواد العنصرية الكائنة للبدن ، فلا بد من الخروج عنها بقطع العلائق عنها وتجرّدها عنها بالتوجه الكامل إلى المبدإ المتعال ، وبالمعارف الحقة واستحكامها في الروح ، ليتمكن بها عن الخروج عن مضائق البدن والمواد ، وهذه من أصعب مسالك السلوك إليه تعالى . والثالث : أنّ العقول الإنسانية المجردة قد صارت مسجونة في سجن الأوهام ، التي هي محل هواجس الشيطان فهي تكدّر العقول عن دركه الحقائق كما هي ، فلا بد من تطهيرها عنها بصرفها في تحصيل المعارف الإلهية ، وإعراضها عن الأوهام والخيالات الشيطانية . والرابع : أن القلوب - التي قد علمت سابقا حقيقتها ، مسجونة في التعلَّقات المادّية الموجبة لصرفها عن التوجه إليه تعالى والاستشراف بتجلَّياته تعالى ، فلا بد من الخروج عنها بقطع تلك العلائق بالرياضات الإلهية من تحصيل محبته والشوق إليه والعشق بجماله وجلاله ، لكي يخلص القلب عن تلك العلائق . والخامس : وهو المرحلة الأخيرة للوصول هو أن الوجودات متقيّدة بقيود الماهيات ، فهي محبوسة بها عن مشاهدة الحق المطلق ، فلا بد من الخروج عنها بسبب الجذبة الأحدية الموجبة لذهولها عن غيره تعالى وعن جميع الماهيّات الإمكانية ، فلا يكون حينئذ له وجود إلا وهو متعلَّق به تعالى لا بغيره تعالى ، ولهذا المقام تحقيق موكول إلى محله ولعله تجيء الإشارة إليه . قال عليه السّلام : " إلهي وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفا وعن سواك منحرفا " . ثم إن هذه المنازل لا تحصل لأحد إلا بالتوبة بتمام معانيها ، ومجمل القول فيها بحيث يشمل جميع أقسامها هو : أنّ التوبة ثلاثة أقسام : القسم العامّ : وهي الرجوع عن المعاصي وهي توبة العصاة . القسم الخاص : وهي التوبة عن ترك الأولى وهي توبة الأنبياء الماضين عليهم السّلام .