الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
127
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
ومن زاهد يزهد في الآخرة . ومن زاهد يزهد فيما سوى شهود جمال الذات ، وإن كانت محاسن الصفات ، ليشاهد ذلك الجمال بلا مشاهدة مزاحمة كل التعيّنات ، وأشار تعالى إلى الزهد ، بقوله : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم 57 : 23 ( 1 ) وبقوله : ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا 20 : 131 . وقال بعض الأكابر : ضد حبّ الدنيا والرغبة إليها هو الزهد وهو ألا يريد الدنيا بقبله ، ويتركها بجوارحه إلا بقدر ضرورة بدنه . وبعبارة أخرى : هو الإعراض عن متاع الدنيا وطيّباتها من الأموال والمناصب وسائر ما يزول بالموت ، وبتقرير آخر هو الرغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة أو عن غير اللَّه عدولا إلى اللَّه وهو الدرجة العليا ، فمن رغب عن كلّ ما سوى اللَّه حتى الفراديس ولم يجب إلا اللَّه فهو الزاهد المطلق ، ومن رغب عن حظوظ الدنيا خوفا من النار أو طمعا في نعيم الجنة من الحور والقصور والفواكه والأنهار فهو أيضا زاهد ولكنه دون الأول ، ومن ترك بعض حظوظ الدنيا دون بعض كالذي يترك المال دون الجاه ، أو يترك التوسع في الأكل دون التجمل في الزينة لا يستحق اسم الزاهد مطلقا ، وبما ذكر يظهر أنّ الزهد إنما يتحقق إذا تمكَّن من نيل الدنيا وتركها وكان باعث الترك هو حقارة المرغوب عنه وخساسته أعني الدنيا بالإضافة إلى المرغوب إليه وهو اللَّه والدار الآخرة . فلو كان الترك لعدم قدرته عليها ، أو لغرض غير اللَّه تعالى وغير الدار الآخرة من حسن الذكر واستمالة القلوب ، أو الاشتهار بالفتوة والسخاء ، أو الاستثقال لما في حفظ الأموال من المشقّة والعناء أو أمثال ذلك لم يكن من الزهد أصلا . وقال في الزهد الحقيقي لا تظننّ أنّ كلّ من يترك مال الدنيا أنه زاهد ، فإن ترك
--> ( 1 ) الحديد : 23 . .