الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
113
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
تعالى بواسطة الوسائط الإلهية إلى النفوس الناقصة المؤمنة لإيصالها إلى كمالها المطلق أو اللائق به ، ومن هنا ظهر معنى قولنا إن الشفاعة حقيقة هي رزق وغذاء للروح الإنساني الناقص من الإنسان الكامل من نبي أو وصي أو أكمل منه ، ولذا عبّر عنها بالرزق وقال : وارزقني شفاعتهم . بقي هنا شيء وهو بيان المشفوع لهم ، فهم كل من انتسب إليه صلَّى اللَّه عليه وآله من أمته نسبة صححها الشرع وقبلها ، وتلك تحصل بقبول الإيمان باللَّه ورسوله والأئمة عليهم السّلام سواء كان مطيعا أو كان عاصيا معصية لم توجب انقطاع النسبة ، والنسبة إنما تنقطع بالإصرار على المعاصي واجتناب الكبائر بحيث يصير منشأ للجهل المستحكم ، أو ملكة ذميمة راسخة بحيث يمتنع زوالها ، فحينئذ ربما لا تنفعهم شفاعة الشافعين . وبعبارة أخرى : أن من أحبّ عليا عليه السّلام لا محالة يكون مبدأ ظهوره وطينته من عليين ومن فاضل طينتهم عليهم السّلام كما دلَّت عليه الأحاديث الكثيرة ، فالمحب المؤمن ما دام هذا الارتباط الذاتي المعنوي بينه وبينهم عليهم السّلام ومن شؤونهم عليهم السّلام وليس من الطواغيت وشئونها في شيء ، وهذا الارتباط يرجع معناه إلى تحقق اسم اللَّه تعالى الذي هو مظهر تمام أسمائه الحسني في هذا العبد بقدر إيمانه وحبّه له تعالى ولهم عليهم السّلام . ومن المعلوم أن هذا الاسم الكلي الجامع الشامل بطرف منه لهذا العبد يكون منشأ لكل خير ، فما دام شأن منه في هذا العبد فلا يصدر منه معصية ولا شيء يكون من فروع الطاغوت ، التي هي حقيقة أعداء اللَّه تعالى فتراه حينئذ يفعل الخير بما يحبّه قلبا لما في ذاته من ذلك الاسم الإلهي الراسخ فيه بإيمانه ، وأما ما تتراءى منه من المعصية فهي أولا ليست ذاتية له ، فهو في حال فعله لها يعتقد قبحها ويشمئزّ منها وينفر منها طبعا ويرى أنها تصدر منه لمنشإ عارضي لا ذاتي ، فتكون معصيته اللَّمم فيشمله قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللَّمم 53 : 32 ( 1 ) فمعصيته اللَّمم أي ليس ذاتيا له ولا من سليقته .
--> ( 1 ) سورة النجم الآية 32 . .