الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

110

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

البقاء " فراجع ، إلا أنه لا بد من بيان نكتة مهمّة جدا يظهر بها حقيقة الشفاعة لأهل البصيرة والدراية . فنقول : لا ريب في أن الوصول إلى اللَّه تعالى ونيل روح الوجود من المنبع الحقيقي لا يمكن إلا باتباع الأنبياء والأولياء ( صلوات اللَّه عليهم أجمعين ) إذ العقل لا يهتدي إليه اهتداء تطمئن به القلوب ويرتفع عن صاحبه الريب والشك ، ولا سبيل للعقل في معرفة الحق إلا بأن ينظر في الممكنات ، ويستدل بها على موجدها وهو الحق تعالى ، ثم على وحدته ووجوبه وعلمه وقدرته ، ولا يعلم من صفاته الثبوتية إلا هذا القدر ، ومن التقديسية أنه ليس بجسم ولا جسماني ولا زماني ولا مكاني وأمثال ذلك ، وليس هذا الاستدلال إلا من وراء الحجب إذ لا تحضر عندهم إلا مفهومات ذهنية ومعقولات ثانية لا يسمن ولا يغني من جوع ، وهذا بعينه كمن أراد أن يستغني بمفهوم الحلاوة عن السكَّر ، وبمفهوم السلطنة عن السلطان ، فأصحاب العقول كلها كالذين قال اللَّه فيهم : أولئك ينادون من كان بعيد 41 : 44 ( 1 ) لأنهم يجعلون الحق بعيدا عن أنفسهم ، ويكتفون عن ذات الحق الأول ومشاهدة الذوات المقدسة العقلية بمفهومات ذهنية وحكايات مثالية ، ومع هذا لا يجري لهم طريق الاستدلال إلا في الذهنيات والكليات التي هي طور العقل ، وأما في الأمور التي هي وراء طور العقل من أحوال الآخرة وأحكام البرزخ فتثبت فيها عقولهم ، ويقف من غير أن يهتدي إليها إلا باتباع الشريعة ولذا اعترف شيخهم ورئيسهم بالعجز في إدراك الجسماني ، وصرح بأن لا سبيل للعقل إليه إلا من جهة تصديق خبر النبوة التي أتى بها سيدنا محمد صلَّى اللَّه عليه وآله . إذا علمت هذا من أن الوصول إلى الحقايق الواقعية الإلهية لا يمكن من طريق العقل إذ لا يثبت به إلا مفاهيم في الذهن ، وإنها ليست وجدانية للروح والقلب

--> ( 1 ) فصّلت : 44 . .