السيد حيدر الآملي
10
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
كما قال اللَّه تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه َ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : 26 ] . ( تكليف الإنسان من حيث الباطن ) والمراد من إيراد هذا النقل غير ما ذكرناه أن يتحقق عندك وعند غيرك : أنّ الإنسان ليس مكلَّفا من حيث الظاهر فقط بل هو مكلَّف من حيث الظاهر والباطن لأنّ نعمة اللَّه تعالى شاملة لظاهره وباطنه لقوله جلّ ذكره : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] . فيجب عليه الشكر المسمّى بالتكليف ظاهرا وباطنا ، والقيام بطاعته وعبوديّته كذلك ليكون شكره جامعا كاملا من جميع الوجوه كما قيل : ( 2 )
--> ( 2 ) قوله الشكر قيام كل عضو . قال اللَّه سبحانه وتعالى : * ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * [ النحل : 78 ] . وقال تعالى أيضا : * ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) * [ المؤمنون : 78 ] . روى الكليني في الأصول من الكافي ج 2 باب الشكر الحديث 10 ص 95 بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال : « شكر النعمة اجتناب المحارم وتمام الشكر قول الرجل : الحمد للَّه ربّ العالمين » . وروى أيضا في نفس المصدر الحديث 12 ، بإسناده عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : هل للشكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا ؟ قال : نعم ، قلت : ما هو ؟ قال : « يحمد اللَّه على كلّ نعمة عليه في أهل ومال ، وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حقّ أداه » . الحديث . أقول : إذا كان أداء الحقّ الموجود في المال شكرا ، فالعمل بالتكليف وبالَّذي خلق كلّ عضو لأجله شكر بطريق أولى . هذا إن قرأنا الحديث « ماله » وأمّا إن قرأناه « ماله » فيعمّ الكل من المال والجوارح وايّ نعمة غيرهما ، فلا نحتاج إلى الفحوى . قال العلَّامة الطباطبائي في الميزان ج 4 ص 38 في تفسير قوله تعالى : * ( وَسَيَجْزِي اللَّه ُ الشَّاكِرِينَ ) * [ آل عمران : 144 ] . وحقيقة الشكر إظهار النعمة كما أنّ الكفر الَّذي يقابله إخفائها والستر عليها ، وإظهار النعمة هو استعمالها في محلَّها الَّذي أراده منعمها ، وذكر المنعم بها لسانا وهو الثناء وقلبا من غير نسيان ، فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يذكر عند استعمالها ، ويوضع النعمة في الموضع الَّذي أراده منها ولا يتعدّى ذلك ، وإن من شيء إلَّا وهو نعمة من نعمه تعالى ، ولا يريد بنعمة من نعمه إلَّا أن تستعمل في سبيل عبادته ، قال تعالى : * ( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه ُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّه ِ لا تُحْصُوها إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) * [ إبراهيم : 34 ] . فشكره على نعمته أن يطاع فيها ويذكر مقام ربوبيّته عندها .