السيد حيدر الآملي

452

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

فهو قوله تعالى : ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً [ آل عمران : 90 - والنساء : 135 ] . فهؤلاء قيل فيهم : زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] . فما أنزلوا من النار إلَّا منازل استحقاق ، بخلاف الجنّة ، فإنّ أهل الجنّة أنزلوا فيها منازل استحقاق مثل الكفّار في النار بأعمالهم ، وأنزلوا أيضا منازل وراثة ومنازل اختصاص ، وليس ذلك في أهل النار . ولا بدّ لأهل النّار من فضل اللَّه ورحمته في نفس النار ، بعد انقضاء مدّة موازنة أزمان العمل ، فيفقدون الإحساس ( 1 ) فالآلام ( بالآلام ) في نفس

--> ( 1 ) قوله : فيفقدون الإحساس . ( ( رسالة في الخلود ) ) من جملة الموضوعات القرآنيّة : موضوع « الخلود في النّار » والعمدة في البحث هو خلود بعض النّاس في النّار ، بمعنى : « بقاء الأبدي في العذاب » . وما ذكر في المقام : بأنّ معنى الخلود هو المكث الطويل ، ليس بصحيح ، لأنّ « الخلود » كما استعمل في اللغة بمعنى الزمان الطويل كذلك استعمل أيضا بمعنى الدّوام والأبد . قال في الصحاح : الخلد : « دوام البقاء » . وقال في لسان العرب : الخلد : « دوام البقاء في دار لا يخرج منها ، وأهل الجنّة خالدون ، مخلَّدون آخر الأبد » . أقول : الظاهر أنّ الأصل في معنى الخلود هو البقاء الدائميّ الأبدي ، ولكن حيث إنّ الدنيا دار فناء ودوامه يكون بزمان طويل ، استعمل لفظ الخلود في أمور الدنيا والنشأة الطبيعة ، بمعنى المكث الطويل والمدّة الطويلة . قال الراغب : « الخلود تبرّي الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة الَّتي هو عليها ، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود . والخلد اسم للجزء الَّذي يبقى من الإنسان على حالته فلا يستحيل ما دام الإنسان حيّا استحالة سائر أجزائه ، وأصل المخلَّد الَّذي يبقى مدّة طويلة . وأمّا معنى الخلود في القرآن فهو أيضا جاء بمعنى الأبد غالبا ، إمّا حقيقة ، وإمّا كناية مع القرنية المتّصلة تصريحا ، كما في قوله تعالى : * ( وَيُدْخِلْه ُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) * [ التغابن : 9 ] . وفي قوله تعالى : * ( إِنَّ اللَّه َ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) * [ الأحزاب : 65 و 64 ] . وفي قوله تعالى : * ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ ) * [ هود : 107 و 106 ] . وحيث إنّ الدار الآخرة دار حيوان ودار بقاء ، السّماوات والأرض المختصّة لدار الآخرة أيضا باقية وأبديّة . لقوله تعالى : * ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّه ِ باقٍ ) * [ النحل : 96 ] . ومعلوم أنّ السّماوات والأرض في دار الآخرة تكون من سنخها فهي غير السماوات والأرض في هذه النشأة الدنياويّة ، لقوله تعالى : * ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) * [ إبراهيم : 48 ] . فنقول : لا خلاف ولا شكّ في أنّ النّار دائميّ أبديّ بالنسبة إلى بعض النّاس ، كما تدلّ عليه الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى : * ( كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّه ُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) * [ البقرة : 167 ] . وأمّا العذاب ، فهل هو أيضا مستمر وأبديّ بالنسبة إلى البعض كما هو محقّق ابتداء ، أم لا بل يتبدّل العذب مع بقاء النّار على حالها ؟ . المشهور عند المحققين من علماء المسلمين : أنّ العذاب أبديّ كما أنّ النّار أبديّة ، كما يستفاد من الآيات القرآنيّة وسيأتي بيانه . ولكن يرى بعض المحققين في بعض أحوالهم وقال في بعض أقوالهم : بأنّ العذاب سوف ينقطع وينتهي ولو أنّ النّار تبقى أبدا . قال الشيخ الأكبر محيي الدين العربي . « يدخل أهل الدارين فيهما السعداء بفضل اللَّه وأهل النّار بعدل اللَّه ، وينزلون فيهما بالأعمال ويخلدون فيهما بالنيّات ، فيأخذ الألم جزاء العقوبة موازيا لمدّة العمر في الشرك في الدنيا ، فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في الدار الَّتي يخلدون فيها بحيث إنّهم لو دخلوا الجنّة تأمّلوا لعدم موافقة الطبع الَّذي جبلوا عليه ، فهم يتلذذون بما هم فيه من نار وزمهرير وما فيها من لدغ الحيّات والعقارب كما يلتذّ أهل الجنّة بالظلال والنور ولثم الحسان من الحور ، لأنّ طبائعهم يقتضي ذلك » . ( راجع الأسفار ج 9 ، ص 349 ) . وقال أيضا : « وقد وجدنا في نفوسنا ممّن جبل على رحمة لو حكمه اللَّه في خلقه لأزال صفة العذاب عن العالم ، واللَّه قد أعطاه هذه الصفة ومعطي الكمال أحقّ به ، وصاحب هذه أنا وأمثالي ، ونحن عباد مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض . ولا شكّ أنّه - سبحانه - أرحم بخلقه ، وقد قال عن نفسه - جلّ علاؤه - : إنّه أرحم الراحمين ، فلا شكّ أنّه أرحم منّا بخلقه ، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرّحمة » انتهى . ( علم اليقين للفيض الكاشاني ، ج 2 ص 1086 ) . وقال القيصري : « واعلم أنّ كلّ من اكتحلت عينه بنور الحقّ ، يعلم أنّ العالم بأسره عباد اللَّه ، وليس لهم وجود وصفة وفعل إلَّا باللَّه وحوله وقوّته ، وكلَّهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمان الرحيم ، ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذّب أحدا عذابا أبدا ، وليس ذلك المقدار من العذاب أيضا إلَّا لأجل إيصالهم يكدّره وينقص عياره ، فهو متضمّن لعين اللطف والرحمة » . ( شرح القيصري للفصوص الفصّ الهودىّ ، ص 726 ) . قال محيي الدين ابن عربي في فصوص الحكم ( آخر فصّ حكمة عليّة في كلمة اسماعيليّة ) : « وإن دخلوا دار الشقاء فإنّهم على لذّة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد فالأمر واحد وبينهما عند التجلَّي تباين يسمّى عذابا من عذوبة طعمه وذاك له كالقشر والقشر صائن » قال كما الدين عبد الرزّاق في شرحه للفصوص : « قال : « وإن دخلوا دار الشفاء » وهي جهنّم لاستحقاق العقاب فلا بدّ أن يؤول أمرهم إلى الرحمة لقوله : « سبقت رحمتي غضبي » فينقلب العذاب في العاقبة عذبا . وذلك أنّ أهل النّار إذا دخلوها وتسلَّط عليهم العذاب بظواهرهم وبواطنهم هلكهم الجزع والاضطرار ، فيكفر بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضا متخاصمين متقاولين ، كما نطق به كلام اللَّه في مواضع ، وقد أحاط بهم سرادقها ، فطلبوا أنّ يخفّف عنهم العذاب أو أن يقضي عليهم ، كما حكى اللَّه عنهم بقوله : * ( يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ) * [ الزخرف : 77 ] . أو أن يرجعوا إلى الدنيا ، فلم يجابوا إلى طلباتهم بل أخبروا بقوله : « لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون » وخوطبوا بمثل قوله : * ( إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) * [ الزخرف : 77 ] . * ( اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ) * [ المؤمنون : 107 ] . فلمّا يئسوا ووطَّنوا أنفسهم على العذاب والمكث على مرّ السنين والأحقاب ، وتعلَّلوا با الأعذار ، ( وتغللوا بالأغلال ) ومالوا إلى الاضطراب ( ومالوا إلى الاصطبار ) وقالوا : * ( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) * [ إبراهيم : 21 ] . فعند ذلك دفع اللَّه العذاب عن بواطنهم ، وخبت نار اللَّه الموقدة الَّتي تطَّلع على الأفئدة . ثمّ إذا تعوّدوا بالعذاب بعد مضي الأحقاب ألفوه ولم يتعذّبوا بشدّته بعد طول مدّته ولم يتألَّموا به وإن عظم ، ثمّ آل أمرهم إلى أن يتلذّذوا به ويستعذبوه حتّى لو هبّ عليهم نسيم من الجنّة استكرهوه وتعذّبوا به كالجعل وتأذّيه برائحة الورد لتألَّفه بنتن الأوراث والقاذورات . فذلك نعيمهم الَّذي تباين نعيم أهل الجنان ، والأمر واحد أي أمر الالتذاذ والتنعم بينهم وبين أهل الجنان واحد ، واشمئزازهم عن نعيم الجنان كاشمئزاز أهل الجنّة عن عذاب النيران ، وبينهما أي بين نعيم أهل الجنّة ونعيم أهل النّار عند تجلَّي الحقّ في صورة الرحمن بون بعيد . » وراجع أيضا شرح الفصوص للقيصري ، و « علم اليقين » للفيض الكاشاني ج 2 ص 1085 . قال صدر المتألَّهين الشيرازي : « الجوهر النفساني من الإنسان لا يقبل الفساد ، فإمّا أن يزول الهيئات الردية بزوال أسبابها فيعود إلى الفطرة ويدخل الجنّة إن لم تكن الهيئات من باب الإعتقادات كالشرك ، وإلَّا فتنقلب إلى فطرة أخرى ويخلص من الألم والعذاب » . ( الأسفار الأربعة ج 9 ص 351 ) . وقال أيضا : « وعندنا أيضا أصول دالَّة على أنّ الجحيم وآلامها وشرورها داتمة بأهلها ، كما إنّ الجنّة ونعيمها وخيراتها دائمة بأهلها إلَّا أنّ لكلّ منهما على معنى آخر » ( الأسفار الأربعة ج 9 ص 348 ) . قال السبزواري في التعليق : « أي الدوام للنعيم شخصيّ وللألم نوعيّ ، فنوع المعذّب المتألَّم محفوظ بتعاقب الأشخاص » . ( المصدر السابق ) أقول : كأنّ صدر المتألهين أيّد كلام محيي الدين ، ومقصوده : أنّ المراد بدوام النّار هو أنّ أهل النّار يبقون فيها دائما ، أي دوام النّار بدوام أهلها فيها مطلقا لا بدوام الأشخاص بعينهم فيها ، يعني أنّ النّار دائميّ وفيها يوجد من المجرمين والكفّار دائما ، وأمّا الأشخاص والأفراد بعينهم فليس كذلك ، أي لا يبقى في النّار كل كافر وكل معاند أبدا بل بالتناوب ، لكن فيها كافر ومعاند دائما . هذا ما قاله هؤلاء الأجلَّة ، ولكن لا يمكن المساعدة عليهم في هذه القول ، لأنّه يخالف ويختلف لما استفدناه من القرآن الكريم من دوام العذاب كما في الآيات التالية القرآنيّة . * ( إِنَّ اللَّه َ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) * [ الأحزاب : 65 و 64 ] . * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّه ِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) * [ البقرة : 162 و 161 ] . * ( وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّه ِ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ) * [ طه : 127 ] . إضافة على هذا ، وليعلم أنّ للعذاب في الجحيم في الآخرة أنواع ، والقرآن الكريم ناطق بأنّ العذاب لا ينحصر بعذاب النّار بل هناك عذاب غير عذاب النّار ، كما يستفاد من الأحاديث أيضا ، قال أمير المؤمنين عليه السّلام في دعا كميل : « وربّي صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر على فراقك » . قيل : فإنّ نار الفراق نار اللَّه الموقدة الَّتي تطَّلع على الأفئدة ، ونار جهنّم لا شغل لها إلا مع الأجسام وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد ، ولذلك قيل : ففي فؤاد المحبّ نار جوى أحرّ نار الجحيم أبردها ( علم اليقين ج 2 ص 1071 ) قال تعالى : * ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه ِ ) * [ الزمر : 56 ] . وقال : * ( كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّه ُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) * [ البقرة : 167 ] . وقال : * ( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّه ُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ) * [ المائدة : 5 ] . السخط والحسرة من أشدّ أنواع العذاب ، وهما لا ينقطعان ، كما أنّ الرضوان ألذّ من الجنّة ونعيمها بمراتب لا يوصف . وأيضا يقول القرآن الكريم : بأنّ وقود جهنم هو نفس الإنسان ، والعذاب ينشأ منه ، وكيف يفارق الشيء عن نفسه ؟ قال تعالى : * ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) * [ البقرة : 24 ] . وقال : * ( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) * [ الأنبياء : 98 ] . وقال : * ( أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) * [ الجنّ : 15 ] . قال سيّدنا الأستاذ السيّد مرتضى بن رضي الدّين بن أحمد الموسوي الشهير ب المستنبط الغروي ( رحمة اللَّه تعالى عليه ) في كتابه القيّم « مواهب الرّحمن في تفسير القرآن » ج 30 في تفسير الآية : * ( لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ) * [ النبأ : 23 ] . اللبث على ما صرّح به أرباب اللغة : المكث ، فإنّهم قالوا : لبث في المكان أي مكث وأقام ، وكذا مكث في المكان أي لبث وأقام . ويظهر من ذلك أنّهما مترادفان ، والحقّ عدمه ، والفرق بينهما على ما يستنبط من آيات الكتاب الحكيم : أنّ الإقامة في المكان إن كان مع رجاء الخير والفلاح يطلق عليها المكث ، وإن لم يلاحظ فيها الخير يطلق عليها اللبث . فمن موارد إتيان المكث قوله تعالى : * ( وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) * [ الرعد : 17 ] . وقوله تعالى : * ( لِتَقْرَأَه ُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ) * [ الإسراء : 106 ] . وقوله تعالى : * ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِه ِ ) * [ النمل : 22 ] . وقوله تعالى : * ( ماكِثِينَ فِيه ِ أَبَداً ) * [ الكهف : 3 ] . وقوله تعالى : * ( فَقالَ لأَهْلِه ِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً ) * [ طه : 10 ] . وقوله تعالى : * ( وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) * [ الزخرف : 77 ] . وموارد استعمال اللبث في الكتاب كثيرة نذكر بعضها في المقام كفاية للمرام ، منها قوله تعالى : * ( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) * [ يوسف : 42 ] . وقوله تعالى : * ( قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) * [ البقرة : 259 ] . وقوله تعالى : * ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ) * [ العنكبوت : 14 ] . وقوله تعالى : * ( لَلَبِثَ فِي بَطْنِه ِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) * [ الصافات : 144 ] . فإنّ توقّف الماء النافع للنّاس في الأرض ، والبطؤ في قراءة القرآن ، وتوقّف الهدد في بلدة سبأ ، وأهل موسى عليه السّلام في البيداء لم يقع إلَّا برجاء الخير وانتظاره ، وكذا إقامة الصالحين في الثواب لم يكن إلَّا برجاء الازدياد فضلا تعالى ، كما أنّ إقامة المجرمين في النّار برجاء الخلاص والنجاة ولذا عبّر عن جميع ذلك بالمكث . وأمّا إقامة يوسف عليه السّلام في السجن بضع سنين لم يكن برجاء الخلاص لما علم بخطائه من توسّله إلى من دون ربّه بقوله لصاحب السجن : أذكرني عند ربّك فأنساه الشيطان . كما أنّ إقامة نوح عليه السّلام في قومه ألف سنة إلَّا خمسين عاما لم يكن برجاء تصديقهم لعلمه عليه السّلام بأنّهم ظالمون فلا يؤمنون ، ولذا أخذهم الطوفان بل إنّما أقام فيهم بتلك المدّة لقطع العذر وإتمام الحجّة . وكذا إقامة يونس عليه السّلام في بطن حوت إلى يوم يبعثون لو لم يكن من المسبّحين ، وإقامة عزيز عليه السّلام في مائة عام ميّتا ليس فيها رجاء الخير ، كما أنّ إقامة الطاغين في جهنّم ليس برجاء الخلاص والنجاة ، ولذا عبرّ عن جميع ذلك باللبث . وممّا ذكرنا علم أنّ أهل جهنّم على طائفتين : الأولى ، الَّذين يرجون الخلاص والنجاة وينادون : يا مالك ! ليقض علينا ربّك ، ويقول المالك إنّكم ماكثون إي منتظرون ، ولعلَّهم الموحّدون من أهل الكتاب الَّذين لم يقبلوا رسالة جدّنا سيّد المرسلين صلَّى اللَّه عليه وآله ، وهم المستثنى بمشيّة الرّبّ من الخالدين في قوله تعالى : « فأمّا الَّذين شقوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلَّا ما شاء ربّك إنّ ربّك فعال لما يريد . س 10211 الثانية : الَّذين فيهم رجاء الخلاص والنجاة أصلا فهم لابثون فيها أحقابا وهم المشركون والمنافقون أي منكروا الولاية وغاصبوا الخلافة وإن تظاهروا بالإسلام ، ولذا عبّر عنهم بالطاغين وعن الطائفة الأولى بالمجرمين . ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه عليّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن إدريس ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النصر بن سويد ، عن درست بن أبي منصور ، عن حمران بن أعين ، قال : سئلت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن قول اللَّه : * ( لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ) * [ النبأ : 23 و 22 ] . قال : هذه في الَّذين لا يخرجون من النّار . وأمّا الأحقاب فقد ذكر فيها أقوال : أقول : الأحقاب جمع الحقب بضمّتين من حقب المطر ، أي احتسب ، والمعدن أي انقطع ، بحيث لا يوجد فيه شيء . ومن المعلوم أنّ الآخرة بشراشر أحوالها ومراتبها من عالم الملكوت ، ووعائها الدهر الَّذي بمنزلة الروح لا الزمان الَّذي بمنزلة الجسد ، إذ ليس فيها فلك ولا شمس ولا قمر حتّى ينتزع من حركتها الزمان وقطعاتها من يوم وشهر وسنة وغيرها . وكلّ وعاء دهرا كان أو زمانا لا أهميّة فيه ولا يتوجّه إليه إلَّا لأجل ما يقع فيه . فالمراد من حقب أهل النّار احتباسهم عن الفيض ، وانقطاعهم عن الخير بحيث لا يوجد فيهم خير أصلا بسبب ما ظهر في أنفسهم من الكبر والطغيان والظلم والعدوان . وفي الإتيان بلفظ الجمع إشعار إلى كثرة أسباب الاحتباس والانقطاع من العقائد الباطلة ، والملكات الفاسدة ، والأعمال الطالحة . وهذا أقوى سبب وأدلّ دليل على خلودهم في العذاب وعدم رجاء الخلاص والنجاة فيهم من النّار . وقد انصرح بهذا البيان أنّ جميع ما ذكروا في معنى الأحقاب وتحديدها في جنب الواقع قليل ، بل قول بلا دليل » انتهى . قال صدر المتألَّهين في رسالته « الحكمة العرشية » : « ( قال ) صاحب الفتوحات المكيّة في الفصوص : « أمّا أهل النّار فمآلهم إلى النعيم ، إذ لا بدّ لصورة النّار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها » . وأمّا أنا والَّذي لاح لي بما أنا مشتغل به من الرياضات العلميّة والعمليّة أنّ دار الجحيم ليست بدار نعيم وإنّما هي موضع الآلام والمحن ، وفيها العذاب الدّائم ، لكن آلامها متفتتة متجدّدة على الاستمرار بلا انقطاع والجلود فيها متبدّلة وليس هناك موضع راحة واطمئنان لأنّ منزلتها من ذلك العالم منزلة عالم الكون والفساد من هذا العالم » . أقول : في المقام : أنّ لكل اعتقاد وملكة وعمل ، باطن وهو حقيقته . وأنّ النعمة والعذاب في الآخرة ظهور لباطن تلك الأعمال والعقائد والملكات الراسخة الَّتي تتكوّن حقيقة الإنسان روحه وبدنه منها في قوس الصعود اختيارا ، البدن الأخروى يتكوّن من الأعمال والرّوح الأخروى يتكوّن من العقائد والعلوم . وأنّ ما سوف يظهر في الآخرة من الجنّة ونعيمها ، والجحيم وعذابه ، عبارة عن تجسّم نفس تلك الأعمال والاعتقادات ، الَّتي كان الإنسان متلبّسا بها في الدنيا . فإذن حشر الإنسان وابتلائه بالعذاب والجزاء في دار الآخرة هو حشره مع نفس أخلاقه وأعماله وعقائده ، فلا غيريّة بين النعمة والعذاب في الآخرة وبين الأعمال والأخلاق والعقائد في الدنيا ، أي ( هي هي ) . فانظر الآيات القرآنية التالية : * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَه ُ أَمَداً بَعِيداً ) * [ آل عمران : 30 ] . * ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) * [ النساء : 10 ] . * ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيه ِ إِلَى اللَّه ِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * [ البقرة : 281 ] . * ( وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ) * [ الكهف : 49 ] . * ( فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * [ القصص : 84 ] . * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * [ الزّلزلة : 8 و 7 ] . * ( اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) * [ الإسراء : 14 ] . فيكون حينئذ العلم والعالم والعمل متحدا واحدا . وحيث إنّ الملكات الراسخة تصير نفس الإنسان ومتحدا معها ، اذن أنّ العذاب الَّذي هو نفس الأعمال والملكات أيضا سوف يكون في نفس الإنسان ويبقى معه . نعم هناك ملكات ليست راسخة للنفس ولم تتّحد معه ، فهذه قابلة للزوال ولا تكون دائميّة ، لأنه مع هذه الملكات ، الذات بقيت بعد سعيدة ، وإن توجد فيها أخلاق وملكات سيّئة أحيانا غير راسخة . قال العلَّامة الطباطبائي في « الميزان » : « وأنّ ما كانت من هذه الصور صورا غير راسخة للنفس وغير ملائمة لذاتها ، فإنّها ستزول ، لأنّ القسر لا يكون دائميّا ولا أكثريّا ، وهذه النفس هي النفس السعيدة ذاتا وعليها هيئات شقيّة رديّة ممكنة الزوال عنها كالنفس المجرمة . وأمّا الهيئات الرديّة الَّتي رسخت في النفس حتّى صارت صورا أو كالصور الجديدة تعطي للشيء نوعيّة جديدة ، فمن المعلوم أنّ هذا النوع نوع مجرّد في نفسه دائميّ الوجود . وجميع ما كان يصدر عنه بالقسر حال عدم الرسوخ فيعذّب به ويذوق وبال أمره ، فهي تصدر عن هذا النوع بإذن اللَّه من غير قسر إلَّا أنّها لمّا كانت صادرة عن نوعيّته من غير قسر فهي دائمة من غير زوال ، بخلاف ما لو كانت حاصلة بالقسر . فقد بان أن العذاب خالد غير منقطع عن الإنسان الشقيّ الَّذي لذاته شقوة لازمة . فإنّ العذاب الخالد أثر وخاصّة لصورة الشّقاء الَّذي لزمت الإنسان الشّقيّ فتصوّر ذاته بها بعد تماميّة الاستعداد الشديد الَّذي حصل في ذاته القابلة لها بواسطة الأحوال العارضة لها المنتهية إلى اختياره . واشتداد الاستعداد التامّ هو الَّذي يوجب في جميع الحوادث إفاضة الصورة المناسبة لسنخ الاستعداد . فكما لا يجوز السئوال عن علَّة تحقّق الأفعال الإنسانية بعد ورود الصّورة الإنسانيّة على المادّة ، لوجود العلَّة الَّتي هي الصّورة الإنسانيّة ، كذلك لا معنى للسؤال عن لميّة ترتّب آثار الشّقاء اللَّازم ، ومنها العذاب المخلَّد بعد تحقّق صورة الشّقاء اللازم ، المنتهية إلى الاختيار فإنّها آثارها وخواصّها » . بيان آخر لنا : ألف - حيث إنّ العذاب في القيامة هو نفس باطن الأعمال وحقيقته ، وهذا على أساس موضوع تجسّم الأعمال والأفكار والعقائد في الآخرة . ب - وحيث إنّ الإنسان متكوّنة ماهيّته صعودا بعمله وعقيدته ، ويصر العمل والعقائد متّحدا مع وجود الإنسان بل يصر هو هو باتّحاد العامل بالعمل والعاقل بالمعقول . ج - وحيث إنّ الإنسان موجود أبديّ والعالم الآخرة أيضا عالم أبديّ . إذن العذاب يبقى ما بقي الإنسان وبما أنّ الإنسان يبقى إلى الأبد والعذاب هو نفس عمل الإنسان وعقيدته اللَّذان يصران نفس وجود الإنسان الباقي ، فالعذاب يبقى مع ببقاء الإنسان الَّذي صار الكفر والعناد والنّفاق صورة ثانويّة وفصلا أخيرا له ، إلى الأبد . على أنّ هناك بعض النّاس موجود صار العناد والكفر والنفاق نفس وجودهم ، بحيث لن يريدون ان يتغيّروا وصار الكفر والعناد تمام وجودهم ، ولهذا لو يبقون في الدنيا إلى الأبد يبقون كافرا ، معاندا ، منافقا ، ولن يرجعون إلى الإيمان قطَّ . والشاهد على ذلك من الآيات القرآنيّة ما يلي : * ( قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ) * [ الشعراء : 136 ] . * ( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه ُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * [ الأنعام : 28 ] . * ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّه ُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) * [ المائدة : 41 ] . * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّه ُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) * [ النساء : 137 ] .