السيد حيدر الآملي
437
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
بينه وبين حقيقة حكم الشرع فيه بالقبح ولو كان الشيء قبيحا بالتقبيح الوضعيّ لم يصدق قول الشارع في الإخبار عنه : إنّه قبيح أو حسن ، فإنّه خبّر بالشيء على خلاف ما هو عليه فإنّ الأحكام أخبار بلا شك عند كلّ عاقل عارف بالكلام فإنّ اللَّه أخبرنا أنّ هذا حرام وهذا حلال ولذا قال تعالى في ذمّ من قال عن اللَّه ما لم يقل : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّه ِ الْكَذِبَ [ النحل : 116 ] . فإنّه ألحق الحكم بالخبر لأنّه خبر بلا شكّ ، إلَّا أنّه ليس في قوّة البشر في أكثر الأشياء إدراك قبح الأشياء ولا حسنها ، فإذا عرّفنا الحقّ بها عرفناها ، ومنها ما يدرك قبحه عقلا في عرفنا مثل الكذب وكفر المنعم ، وحسنه عقلا مثل الصدق وشكر المنعم ، وكون الإثم يتعلَّق ببعض أنواع الصدق ، والأجر يتعلَّق ببعض أنواع الكذب ، فذلك للَّه يعطي الأجر على ما شاءه من قبح وحسن ، لا يدل ذلك على حسن الشيء ، ولا قبحه ، الكذب في نجاة مؤمن من هلاك يؤجر عليه الإنسان وإن كان الكذب قبيحا في ذاته ، والصدق كالغيبة يأثم بها الإنسان وإن كان الصدق حسنا في ذاته ، فذاك أمر شرعي يعطي فضله من شاء ويمنعه من شاء كما قال : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه ِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّه ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ آل عمران : 74 ] . ( أشد الخلق عذابا في النار إبليس ) واعلم أن أشد الخلق عذابا في النار إبليس الَّذي تبيّن ( سنّ ) الشرك وكان ( كلّ ) مخالفة ، وسبب ذلك أنّه مخلوق من النار فعذابه بما خلق منه .