السيد حيدر الآملي
258
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فيكون نصب الإمام واجبا عليه ( 132 ) ، وإنّما قلنا : نصب الإمام لطف ، لأنّ
--> ( 132 ) قوله : فيكون نصب الإمام واجبا عليه سبحانه . قال الشيخ الطوسي قدّس سرّه في « تمهيد الأصول » ص 348 : أمّا الكلام في وجوب الرياسة فإنّه يجب لكلّ مكلَّف غير معصوم ، يدلّ على ذلك ما ثبت من كونها لطفا ، في أفعال الواجبات والامتناع من القبائح ، بدلالة أنّ الناس متى كان لهم رئيس منبسط اليد يأخذ على أيديهم ويمنع القوى من الضعيف ويؤدّب الظالم ويردع المعاند ، فإنّ عند وجوده يكثر الصلاح ويقلّ الفساد ، وعند عدم من ذكرناه يكثر الفساد ويقل الصلاح بل يجب ذلك عند ضعف سلطانهم واختلال أمره ونهيه مع وجود عينه ، والعلم بما قدمناه ضروريّ لا يمكن أحدا دفعه » . قال السّدآبادي وهو من أعلام القرن الخامس في كتابه « المقنع في الإمامة » ص 47 : « إنّ وجود الإمام لطف من اللَّه تعالى لعبيده ، لأنّه بكونه بينهم ، يجتمع شملهم ويتّصل حبلهم ، وينتصف الضعيف من القويّ ، والفقير من الغنيّ ، ويرتدع الجاهل ويتيقّظ الغافل . فإذا عدم بطل الشرع وأحكام الدين ، كالحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنّهي عن المنكر ، وجميع أركان الإسلام ، إلَّا أن يكون الإمام خائفا على نفسه فقد ظهر عذره » . قال ابن ميثم البحراني في « قواعد المرام » ص 175 : « أنّ نصب الإمام لطف من فعل اللَّه تعالى في أداء الواجبات الشرعيّة التكليفية ، وكلّ لطف بالصفة المذكورة فواجب في حكمة اللَّه تعالى أن يفعله ما دام التكليف بالمطلوب فيه قائما ، فنصب الإمام المذكور واجب من اللَّه في كلّ زمان التكليف . أمّا الصغرى : فإنّ مجموعها مركّب من كون نصب الإمام لطفا في الواجبات الشرعيّة ، ومن كونه من فعل اللَّه . امّا الأوّل فلان المكلَّفين إذا كان لهم رئيس تامّ الرّئاسة عادل ممكن كانوا أقرب إلى القيام بالواجبات واجتناب المقبّحات ، وإذا لم يكن كذلك كان الأمر بالعكس ، والعلم بهذا الحكم ضروري لكلّ عاقل بالتجربة لا يمكنه دفعه عن نفسه بشبهة ، ولا معنى للطف إلَّا ما كان مقرّبا إلى الطاعة ومبعّدا عن المعصية ، فثبت أن نصب الإمام لطف في أداء الواجبات . وأمّا كونه من فعل اللَّه فلما أنّ هذا الإمام لا يجوز عليه الإخلال بالواجب ولا فعل القبيح ، فحينئذ لا يمكن أن يكون نصبه إلَّا من فعل اللَّه ، لأنّه القادر على تمييز من يجوز وقوع المعصية منه عن غيره لاطَّلاعه على السرائر دون غيره . وأمّا الكبرى ، فلأنّه لو لم يجب منه تعالى وجود ذلك اللطف في مدّة زمان التكليف بالملطوف فيه لقبح التكليف به وانتقض الغرض منه ، وأمّا تمكين هذا الإمام فهو من أفعال المكلَّفين ، إذ المدح عليه والذم على عدمه راجعان إليهم . قال العلَّامة الحلَّي في « كشف المراد » في المقصد الخامس في الإمامة في شرح قول الخواجة الطوسي : « الإمام لطف فيجب نصبه على اللَّه تعالى تحصيلا للغرض » : واستدلّ المصنّف - رحمهم اللَّه - على وجوب نصب الإمام على اللَّه تعالى : بأنّ الإمام لطف واللطف واجب . امّا الصغرى فمعلومة للعقلاء إذا العلم الضروريّ حاصل بأنّ العقلاء متى كان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب والتهاوش ويصدهم عن المعاصي ويعدّهم على فعل الطاعات ويبعثهم على التناصف والتعادل كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ، وهذا أمر ضروريّ لا يشكّ فيه العاقل . وأمّا الكبرى فقد تقدّم بيانها . ( كما نقلناه أيضا نحن ذيل قول السيّد المؤلف : واللطف واجب عليه تعالى ، الرقم 126 ) قال العلَّامة أيضا : إن وجود الإمام نفسه لطف لوجوه : أحدها : أنّه يحفظ الشرائع ويحرسها عن الزيادة والنقصان . وثانيها : أنّ اعتقاد المكلَّفين لوجود الإمام وتجويز إنفاد حكمه عليهم في كلّ وقت سبب لردعهم عن الفساد ولقربهم إلى الصلاح ، وهذا معلوم بالضرورة . وثالثها : أنّ تصرّفه لا شك أنّه لطف ولا يتمّ إلا بوجوده ، فيكون وجوده نفسه لطفا وتصرّفه لطفا آخر . والتحقيق أن نقول : لطف الإمامة يتمّ بأمور : منها ، ما يجب على اللَّه تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنصّ عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله اللَّه تعالى . ومنها ، ما يجب عل الإمام وهو تحمّله للإمامة وقبولها وهذا قد فعله الإمام . ومنها ، ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله ، وهذا لم تفعله الرعيّة ، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من اللَّه تعالى ولا من الإمام عليه السّلام . راجع في هذا أيضا : « الرسالة الماتعيّة » للمحقق الحلَّي رحمهم اللَّه ص 306 ، و « حقائق الايمان » للشهيد الثاني رحمهم اللَّه ص 153 ، و « تقريب المعارف » لأبي الصلاح الحلبي ص 116 ، و « إرشاد الطالبين » للسيوري الحلَّي رحمهم اللَّه ص 326 ، و « علم اليقين » للفيض رحمهم اللَّه ج 1 ص 376 .