السيد حيدر الآملي

254

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الحلال والحرام ، واحتياج الخلق إلى استبقاء الشرع كاحتياجهم إلى تمهيده ، وإذا كان إرسال النبيّ واجبا لكونه لطفا وتمكينا ، كان نصب الإمام أيضا واجبا لئلَّا تبطل حجة اللَّه وبيّناته . ( في أنّ نصب الإمام لطف من قبل اللَّه سبحانه ) وبوجه آخر نصب الإمام لطف ( 131 ) واللطف واجب عليه تعالى ،

--> ( 131 ) قوله : نصب الإمام لطف . لا يخفى أنّ هذا البحث كلاميّ معروف يوجد في كثير من الكتب الكلاميّة ، ولكن الظاهر أنّ السيّد المؤلَّف أخذ الكلام في المقام من « كشف المراد » للعلَّامة الحلَّي المتوفى 726 قدس سرّه . قال العلَّامة قدّس اللَّه روحه في كتابه « كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد » في المسألة الثانية عشرة من الفصل الثالث من المقصد الثالث : « اللطف هو ما يكون المكلَّف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية ولم يكن له حظ في التمكين ولم يبلغ حدّ الإلجاء . . . وهذا هو اللطف المقرّب . وقد يكون اللطف محصّلا وهو ما يحصل عنده الطاعة من المكلَّف على سبيل الاختيار ، ولولاه لم يطع مع تمكّنه في الحالين ، وهذا بخلاف التكليف الَّذي يطيع عنده ، لأنّ اللطف أمر زائد على التكليف ، فهو من دون اللطف يتمكّن بالتكليف من أن يطيع أو لا يطيع ، وليس كذلك التكليف لأنّ عنده يتمكّن من أن يطيع ، وبدونه لا يتمكن من أن يطيع أو لا يطيع فلم يلزم أن يكون التكليف الَّذي يطيع عنده لطفا » . وأيضا قال الشيخ الطائفة الطوسي في كتابه « تمهيد الأصول » ص 208 : « أمّا اللطف فهو عبارة عمّا يدعوا إلى فعل الواجب ويصرف عن القبيح ، ثمّ ينقسم قسمين فان وقع عنده الواجب ولولاه لم يقع سمّى توفيقا ، وإن كان المعلوم أنّه يرتفع عنده القبيح سمّي عصمة . ولا بد أن يكون اللطف منفصلا من التمكين » . قال أبي الصلاح الحلبي في كتابه تقريب المعارف ص 79 : « ومن شرط اللطف أن يتأخّر عن التكليف ولو بزمان واحد لكونه داعيا ولا يتقدّر الدواعي إلى غير ثابت » . قال المحقّق الحلَّي في كتابه « المسلك في أصول الدين ص 101 » : وأمّا المصالح الدينيّة فإنّها تنقسم إلى ما يقع عنده الطاعة ويسمّى لطفا بقول مطلق ، وإلى ما يكون المكلَّف معه أقرب إلى الطاعة ويسمّى لطفا مقرّبا . قال الفاضل المقداد في كتابه : « إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين » ص 277 في شرح قول العلامة الحلَّي : « ولم يكن له حظَّ في التمكين » : « وبقوله : « ولم يكن له حظَّ في التمكين » خرج القدرة والآلات الَّتي يتمكّن من إيقاع الفعل ، فانّ هذه كلَّها لها حظَّ في التمكين إذ بدونها لا يمكن إيقاع الفعل ، وأمّا اللَّطف فليس كذلك ، إذ وقوع الفعل الملطوف فيه بدونه ممكن لكن معه يكون الفعل إلى الوقوع أقرب بعد إمكانه الصرف » . قال الشيخ تقي الدين أبي الصلاح الحلبيّ المتوفّى سنة 447 في كتابه تقريب المعارف ص 79 : « فوصف هذا الجنس من الأفعال بأنّه لطف اشتقاقا من التلطَّف للغير في إيصال المنافع إليه ، وتسمّى صلاحا لتأثيره وقوع الصلاح أو تقريب المكلَّف إليه ، ويسمّى استصلاحا على هذا الوجه ، ويسمّى منه توفيقا ما وافق وقوع الملطوف به فيه عنده ، ويسمّى منه عصمة ما اختار عنده المكلَّف ترك القبيح على كلّ حال . قال الفيض الكاشاني في كتابه « علم اليقين » ج 1 ص 123 : وإنّما سمّى فعل ما يقرّب العباد إلى اللَّه تعالى ويبعّدهم عن المعاصي لطفا بهم ، لأنّ ذلك تلطيف لهم عن كثافة الجسم وتجريد إيّاهم عن الموارد الجسمانيّة . وعلى هذا فإطلاق اللطيف على اللَّه تعالى بمعنى فاعل اللطف ، وحظَّ العبد منه إرشاد العباد إلى ما يقرّبهم إلى اللَّه تعالى ويبعّدهم عن النشأة الفانية » . لا بأس بذكر حديث في المقام المنقول عن الأئمة المعصومين عليهم آلاف التحيّة والسلام وهو ما رواه الصدوق في العلل باب 103 ج 1 بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي ، قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السّلام : لأيّ شيء يحتاج إلى النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله والإمام ؟ فقال : لبقاء العالم على صلاحه ، وذلك أنّ اللَّه عزّ وجلّ يرفع العذاب عن الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام ، قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( وَما كانَ اللَّه ُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) * [ الأنفال : 33 ] . وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون ، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون ، يعني بأهل بيته الأئمّة : الَّذين قرن اللَّه عزّ وجلّ طاعتهم بطاعته فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) * . [ النّساء : 59 ] . وهم المعصومون المطهرون الَّذين لا يذنبون ولا يعصون وهم المؤيدون الموفّقون المسدّدون ، بهم يرزق اللَّه عباده وبهم تعمر بلاده وبهم ينزل القطر من السماء وبهم يخرج بركات الأرض وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب ، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه ، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم ، صلوات اللَّه عليهم أجمعين . وهناك توجد روايات أخرى كثيرة حول الموضوع روى الشيخ الجليل الصدوق رحمهم اللَّه طائفتين منها في كتابه « علل الشرائع » ص 195 ، باب 153 « باب العلَّة الَّتي من أجلها لا تخلو الأرض من حجّة اللَّه عزّ على خلقه » الطائفة الأولى في بيان تأثير الإمام وضرورة وجوده في الكون ، والطائفة الثانية تأثيره وضرورة وجوده بالنسبة إلى الشرع ومصالح الأمّة . اما الطائفة الأولى فمن الأحاديث الواردة فيها ما يلي : 1 - عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، قال : قلت له تكون الأرض ولا إمام فيها ؟ فقال : « لا ، إذا لساخت بأهلها » . 2 - عن أبي حمزة الثمالي قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : تبقي الأرض بغير إمام ؟ فقال : « لا ، لو بقيت الأرض بغير امام لساخت » . وامّا الطائفة الثانية فمن الأحاديث الواردة فيها ما يلي : 1 - عن يعقوب السراج قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام تبقى الأرض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم ؟ فقال لي « إذا لا يعبد اللَّه يا أبا يوسف » ، ( ح 3 ) . 2 - عن الصادق عليه السّلام قال : « لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام » وقال : « إنّ آخر من يموت الإمام لئلَّا يحتج أحدهم على اللَّه عز وجلّ تركه بغير حجّة اللَّه عليه » ( ح 6 ) . 3 - عن الصادق عليه السّلام قال : « إنّ جبرئيل نزل على محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله يخبر عن ربّه عزّ وجلّ فقال : يا محمّد لم أترك الأرض إلَّا وفيها عالم يعرف طاعتي وهداي ، ويكون نجاة فيما بين قبض النبي إلى خروج النبيّ الآخر ، ولم أكن أترك إبليس يضلّ الناس وليس في الأرض حجّة وداع إليّ وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري ، وإنّي قد قضيت لكل قوم هاديا أهدى به السعداء ويكون حجّة على الأشقياء » ( ح 7 ) . 4 - عن الصادق عليه السّلام قال : « واللَّه ما ترك اللَّه الأرض منذ قبض آدم إلَّا وفيها إمام يهدى به إلى اللَّه عزّ وجلّ وهو حجّة اللَّه عزّ وجلّ على العباد ، من تركه هلك ومن لزمه نجا ، حقّا على اللَّه عزّ وجلّ » ، ( ح 13 ) . 5 - عن الصادق عليه السّلام قال : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يدع الأرض إلَّا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان في الأرض ، فإذا زاد المؤمنون شيئا ردّهم وإذا نقصوا أكمله لهم فقال خذوه كاملا ، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمورهم ولم يفرقوا بين الحقّ والباطل » ( ح 22 ) . ومن الأحاديث الَّتي مشتركة في الدلالة بين الطائفتين المذكورتين ما يلي : 1 - ما رواه الصدوق في الباب المذكور في علل الشرائع الحديث 1 . عن الصادق عليه السّلام قال : « لمّا انقضت نبوة آدم وانقطع أكله ، أوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه : أن يا آدم قد انقضت نبوّتك وانقطع أكلك ، فانظر إلى ما عندك من العلم والإيمان وميراث النّبوّة وأثرة العلم والاسم الأعظم فاجعله في العقب من ذرّيتك عند هبة اللَّه ، فإني لم أدع الأرض بغير عالم يعرف به طاعتي وديني ويكون نجاة لمن أطاعه » . 2 - ما رواه الكليني رحمهم اللَّه في الأصول من الكافي ج 1 ص 169 ح 3 باب الاضطرار إلى الحجّة ، في مناظرة هشام بن الحكم مع أبا مروان عمر بن عبيد ، عن يونس بن يعقوب قال : كان عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام جماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : « يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته » ؟ فقال هشام . . . إلى أن قال : قلت له : يا أبا مروان فاللَّه تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما . . . ( القلب ) يصحّح لها الصحيح ويتيقّن به ما شكّ فيه ، ويترك هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم وحيرتهم ، ويقيم لك إماما لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكك ؟ ! . . . إلى أن قال : فضحك أبو عبد اللَّه عليه السّلام وقال : « يا هشام من علَّمك هذا » ؟ قلت : شيء أخذته منك وألَّفته ، فقال : « هذا واللَّه مكتوب في صحف إبراهيم وموسى » . أمّا دلالة الحديثين إلى ما تدلّ عليه الطائفة الثانية فمعلوم ، وامّا دلالتهما على ما تدل عليه الطائفة الأولى من تأثير الإمام في عالم التكوين وضرورة وجود الإمام في ثبات العالم باذن اللَّه سبحانه وتعالى فبما أنه صاحب اسم الأعظم وأنّه قلب العالم أي لو عدم الإمام انعدم العالم .