السيد حيدر الآملي

233

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

أزيد ولا أنقص ، لأنّه لو أعطي وجوده بخلاف ذلك لكان ظلما فاحشا ، لأنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وهذا غير جايز منه لأنّه عادل في فعله وقوله ، مقسط في إعطائه وصنعه كما سبق ذكره ، فيجب أن يعطي وجود كلّ موجود على ما هو عليه في نفسه من غير تفاوت من الزيادة والنقص ، وهذا هو العدل الحقيقي ، لأنّ العدل هو وضع الشيء في موضعه بعكس الظلم . وهاهنا أبحاث كثيرة وأسرار دقيقة قد بسطنا الكلام فيها في المقدّمة الأولى عند بحث المشيئة والإرادة والعلم والأمر ، وغير ذلك . ونقل كثير ورد في هذا الباب ، منها ما سبق من قوله تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه ُ [ إبراهيم : 34 ] . لأنّه يقول : وآتاكم من كلّ ما سألتموه في الأزل عند الوجود العلمي ليطابق الأزل الأبد ، والوجود العلمي الوجود الخارجي . ومنها ما سبق أيضا من قوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ِ [ الإسراء : 84 ] . لأن هذا شاهد عدل على صدق هذه الدعوى ، لأنّه يقول : « قل كلّ يعمل على شاكلته » ، أي كلّ يعمل على شاكلته الظاهرة وصورته الحسّيّة مطابقا لما في شاكلته الباطنة وصورته المعنويّة ، ومن هذا قال : فَلِلَّه ِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] . على عباده ، أي فللَّه الحجّة البالغة عليهم بأفعالهم الصادرة منهم على مقتضى ذواتهم وماهيّاتهم ، وإعطائهم الوجود مطابقا لتلك الماهيّات والذوات .