السيد حيدر الآملي

166

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه ُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه ِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ الجنّ : 1 - 2 ] . وأمّا السير الصوري للملك ، فهو أن يحصل له مقام القرب والتقديس والتنزيه ، ويصل إلى مرتبة الكروبيين الَّذين أخرجهم اللَّه تعالى عنهم بالاستثناء الفاضل بين النوع والأشخاص كإخراج جبرئيل وميكائيل من الملائكة ، أو الإنسان من الحيوان المطلق ، وقد سبق ذكره في الديباجة . ( في أنّ الإنسان أفضل من الملائكة ) وامّا السير المعنوي له ، فهو أن يحصل له الاطلاع على بعض أسرار الإنسان الحاصلة له من اللَّه تعالى المخصوصة بالإنسان دون الملك لقول جبرئيل عليه السّلام : « لو دنوت أنملة لاحترقت » ( 94 ) . ويشهد به تعليم آدم الملائكة في قوله : فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ [ البقرة : 33 ] . ولهذا ذهب العارف : أنّ الإنسان أعظم من الملك ( 95 ) ، وأشرف منه

--> ( 94 ) قوله : لو دنوت أنملة . قد مرّت الإشارة إليه في التعليق الرقم 72 . ( 95 ) قوله : ان الإنسان أعظم من الملك . أقول : كيف لا يكون الإنسان أشرف وأعظم عند اللَّه سبحانه مع أنّه خليفته ، وخلقه على صورته ، وعلَّمه الأسماء كلَّها . الإنسان الكامل هو نفس الأسماء الحسنى ، وهو الاسم الأعظم ، امّا الملائكة لا يعرفون الأسماء بل عرفوا أسماء أنفسهم وحقيقة وجودهم من خلال إنباء الإنسان الكامل لهم ، وأين التعلَّم والعلم والإنباء والخبر ، اللَّه سبحانه وتعالى علَّم الإنسان الأسماء كلَّها ، والإنسان أخبرهم بأسمائهم بأمر اللَّه تبارك وتعالى . نعم ليس البحث في أنّ جميع أفراد الإنسان أفضل من الملائكة لأنّه يوجد بينهم أشق الأشقياء ، ومن * ( لَمْ يَكُنِ اللَّه ُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ ) * [ النساء : 137 ] ، * ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) * [ الفرقان : 44 ] ، والَّذين لا يفيدهم هداية النبيّ والقرآن ، لقوله تعالى : * ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * [ يس : 10 ] . وقوله تعالى : * ( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) * [ الإسراء : 82 ] . بل الحقّ هو أنّ حقيقة الإنسانيّة لها فضيلة على حقيقة الملائكة ، والإنسان الكامل أشرف وأفضل وأعظم بمراتب من الملائكة المقرّبين ، وهو الَّذي كان مسجود الملائكة ، والآن كما كان ، فهو قطب العالم ومختلف الملائكة ، وليس هذا أمرا تشريفيّا بل أمر حقيقيّ وبسبب كمال المرتبة الوجوديّة في قوس النزول وعبوديته الصرفة في قوس الصعود قال سبحانه في حديث القدسي : « أنت المريد والمراد » . المراد من العلم بالأسماء كلَّها ، عبارة عن العلم الشهودي ، وبتعبير آخر عبارة عن أعلى المراتب من مراتب حق اليقين بحقائق ما سوى اللَّه سبحانه وأسرار حقائق وجودات العالم ، وهذا يعني تحقق الأسماء في وجود العالم وهو فوق التخلَّق بها ، فيكون العالم حينئذ : الأسماء المتجسدة . الإنسان الكامل لا يصل إلى هذا المقام إلَّا من خلال الطهارة والعبوديّة الصرفة ، والإخلاص والقرب والمحبوبيّة والولاية المطلقة ، ومن هنا صار الإنسان الكامل « عبده » و « خليفته » ، قال سبحانه وتعالى : * ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ ) * [ الإسراء : 1 ] . وقال : * ( فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ِ ما أَوْحى ) * [ النجم : 10 ] . اذن الإنسان الكامل مقامه ومرتبته فوق مقام عبوديّة الأسماء فهو عبد مطلق للذّات المطلقة ( أي المطلقة حتّى من قيد الإطلاق ) لشهادة « ه » في « عبده » . والآن نذكر قسما من الآيات والروايات الكثير الدالَّة على ما ذكرنا وهي كثيرة جدا ، خاصّة الأحاديث ولا يبعد دعوى التواتر في المعنى والمضمون فيها ، وأمّا ما قصدنا بذكرها من الآيات القرآنيّة الكريمة والأحاديث الشريفة هنا ما يلي : * ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) * [ البقرة : 30 - 33 ] . وقوله تعالى : * ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَفَتُمارُونَه ُ عَلى ما يَرى وَلَقَدْ رَآه ُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّه ِ الْكُبْرى ) * [ النجم : 7 - 18 ] وأمّا الأحاديث ، منها : قول جبرئيل عليه السّلام : « لو دنوت أنملة لاحترقت » . راجع التعليق 76 . منها ، ما روى عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « لي مع اللَّه وقت لا يسعه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للايمان » . راجع التعليق 41 و 71 . منها ، ما روى أيضا عن الرسول الأكرم عليه السّلام : « من رآني فقد رأى الحقّ » ، راجع التعليق الرقم 38 . منها ، ما رواه الكليني في أصول الكافي ج 1 ص 230 الحديث 1 باب ما أعطى الأئمة عليهم السّلام من أسم اللَّه الأعظم ، بإسناده عن جابر ، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال : « إنّ أسم اللَّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلَّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتّى تناول السرير بيده ، ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين ، ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا ، وحرف واحد عند اللَّه تعالى أستأثر به في علم الغيب عنده ، ولا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه العليّ العظيم » . ومنها ، ما رواه الكليني أيضا في المصدر نفسه الحديث الثاني بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال : « إن عيسى ابن مريم عليه السّلام أعطي حرفين كان يعمل بهما ، وأعطي موسى أربعة أحرف ، وأعطي إبراهيم ثمانية أحرف ، وأعطي نوح خمسة عشر حرفا ، وأعطي آدم خمسة وعشرين حرفا ، وإنّ اللَّه تعالى جمع ذلك كلَّه لمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، وإنّ اسم اللَّه الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا ، أعطى محمدا صلَّى اللَّه عليه وآله اثنين وسبعين حرفا وحجب عنه حرف واحد » . ومنها ما رواه الكليني أيضا في المصدر باب لولا أن الأئمة عليه السّلام يزدادون لنفد ما عندهم ، الحديث 4 ، ج 1 ص 255 ، بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال : « ليس يخرج شيء من عند اللَّه عزّ وجلّ حتّى يبدأ برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، ثمّ بأمير المؤمنين عليه السّلام ثمّ بواحد بعد واحد ، لكيلا يكون آخرنا أعلم أولنا » . ومنها ، ما رواه الكليني في المصدر باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، الحديث 4 بإسناده عن محمّد بن إسحاق بن عمّا قال : قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السّلام : ألا تدلَّني إلى من آخذ عنه ديني ؟ فقال : « هذا ابني عليّ ، إنّ أبي أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله فقال : يا بنيّ ! إنّ اللَّه عزّ وجلّ قال : * ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * [ البقرة : 30 ] . وإنّ اللَّه عزّ وجلّ إذا قال قولا وفي به . أقول : الحديث يدل بأن الجعل مستمرّ لا ينقطع قطَّ ابدا والآن كما كان ، لولا العالم لانعدم العالم ، العالم يعني الإنسان الكامل الَّذي علَّمه اللَّه سبحانه الأسماء كلَّها فهو خليفة اللَّه وصاحب العصر وأمام الهدى وقطب العالم . ومنها ، ما روى المجلسي في البحار ج 53 ص 46 الحديث 20 ، عن كتاب « منتخب البصائر » بإسناده عن عاصم بن حميد ، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام ، قال : قال أمير أمير المؤمنين عليه السّلام : « إن اللَّه تبارك وتعالى أحد واحد ، تفرّد في وحدانيّته ، ثمّ تكلَّم بكلمة فصارت نورا ، ثمّ خلق من ذلك النور محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وخلقني وذرّيتي ، ثمّ تكلَّم بكلمة فصارت روحا فأسكنه اللَّه في ذلك النور ، وأسكنه في أبداننا فنحن روح اللَّه وكلماته ، فبنا احتجّ على خلقه ، فما زلنا في ظلَّة خضراء ، حيث لا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار ، ولا عين تطرف ، نعبده ونقدّسه ونسبّحه ، وذلك قبل أن يخلق الخلق ، وأخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان والنصرة لنا ، . . . إلى أن قال : وأنا عبد اللَّه ، وأخو رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، أنا أمين اللَّه وخازنه ، وعيبة سرّه ، وحجابه ووجهه وصراطه وميزانه ، وأنا الحاشر إلى اللَّه ، وأنا كلمة اللَّه الَّتي يجمع بها ويفرق بها المجتمع ، وأنا أسماء اللَّه الحسنى ، وأمثاله العليا ، وآياته الكبرى » . الحديث . ومنها ، ما رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 143 باب النوادر الحديث 4 بإسناده عن معاوية بن عمّار عن الصادق عليه السّلام في قول اللَّه عز وجلّ : * ( وَلِلَّه ِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) * [ الأعراف : 180 ] . قال : « نحن واللَّه الأسماء الحسنى الَّتي لا يقبل اللَّه من العباد عملا الَّا بمعرفتنا » . ومنها ، ما رواه العياشي في تفسيره ج 2 ص 42 الحديث 119 في سورة الأعراف الآية 180 بإسناده مرسلا عن الرضا عليه السّلام قال : « إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على اللَّه ، وهو قول اللَّه : * ( وَلِلَّه ِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوه ُ بِها ) * . قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : « نحن واللَّه « الأسماء الحسنى » الَّذي لا يقبل من أحد إلَّا بمعرفتنا ، قال : « فادعوه بها » . عنه البحار ج 94 ص 5 الحديث 7 . ومنها ، ما رواه الصدوق في « علل الشرائع » ص 5 الباب 7 الحديث 1 ، وفي « عيون أخبار الرضا » ج ص 262 الباب 26 الحديث 22 ، بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي ، عن علي بن موسى الرضا ، عن آباءه عليهم السّلام ، عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السّلام ، قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « ما خلق اللَّه خلقا أفضل منّي ، ولا أكرم منّي ، قال علي عليه السّلام : فقلت : يا رسول اللَّه ! فأنت أفضل أو جبرئيل ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : يا علي إنّ اللَّه تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا عليّ وللأئمّة من بعدك ، وإنّ الملائكة لخدّامنا ، وخدّام محّبينا . يا عليّ ! الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا . يا علي لولا نحن ما خلق اللَّه آدم ولا حوّاء ، ولا الجنّة ولا النار ، ولا السماء ولا الأرض ، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة ؟ ! ، وقد سبقناهم إلى معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه لأنّ أوّل ما خلق اللَّه عزّ وجلّ أرواحنا ، فأنطقنا بتوحيده وتحميده ، ثمّ خلق الملائكة ، فلمّا شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا أمرنا ، فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون ، وأنّه منزّه عن صفاتنا ، فسبّحت الملائكة بتسبيحنا ونزّهته عن صفاتنا ، فلمّا شاهدوا عظم شأننا هلَّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلَّا اللَّه ، وأنّا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه ، أو دونه ، فقالوا : لا إله إلَّا اللَّه ، فلمّا شاهدوا كبر محلَّنا لتعلم الملائكة أن اللَّه أكبر من أن ينال عظم المحلّ إلَّا به ، فلمّا شاهدوا ما جعله لنا من العزّة والقوّة ، قلنا لا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه ، لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوّة إلَّا باللَّه ، فلمّا شاهدوا ما أنعم اللَّه به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة ، قلنا : « الحمد للَّه » ، لتعلم الملائكة ما يحقّ للَّه تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمته ، فقالت الملائكة : الحمد للَّه ، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد اللَّه وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده . ثمّ إن اللَّه تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما ، وكان سجودهم للَّه عزّ وجلّ عبوديّة ، ولآدم إكراما وطاعة لكوننا في صلبه ، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلَّهم أجمعون . وإنّه لمّا عرج بي إلى السماء أذّن جبرئيل مثنى مثنى ، وأقام مثنى مثنى ، ثمّ قال لي : تقدّم يا محمّد ، فقلت له : يا جبرئيل أتقدّم عليك ؟ فقال : نعم ، لأنّ اللَّه تبارك وتعالى فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين ، وفضّلك خاصّة ، فتقدّمت فصلَّيت بهم ولا فخر ، فلمّا انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل : تقدّم يا محمّد ، وتخلَّف عنّي ، فقلت : يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني ؟ ! فقال : يا محمّد إنّ انتهاء حدّي الَّذي وضعني اللَّه عزّ وجلّ فيه إلى هذا المكان ، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدّي حدود ربّي جلّ جلاله ، فزخّ بي في النور زخّة حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء اللَّه من علوّ ملكه » . الحديث . عنهما البحار ج 18 ص 345 الحديث 56 . وراجع أيضا تعليقنا الرقم 116 في الجزء الأوّل من تفسير المحيط الأعظم ص 441 . ذكر هذا الحديث الشريف ، العالم الرّباني والعارف الصمداني الامام الخميني رضي اللَّه تعالى عنه ، في كتابه « مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية » ص 164 ، وفي طبع الآشتياني ص 75 . وله فيه تعليق على الحديث ، ولا بأس بذكر ما بيّنه في التعليق ، مزيدا للفائدة ، قال بعد ذكر الحديث هكذا : مطلع : اعلم جعلك اللَّه وإيّانا من أمّة الرسول المختار وسلكنا سبيل الشيعة الأبرار : أنّ قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « ما خلق اللَّه خلقا أفضل منّي » ، إشارة إلى أفضليته صلَّى اللَّه عليه وآله في مقام تعيّنه الخلقي ، فإنّه في النشأة الخلقيّة أوّل التعيّنات وأقربها إلى الاسم الأعظم إمام أئمة الأسماء والصفات ، وإلَّا فهو بمقام ولايته الكلَّيّة العظمى ، وبرزخيّة الكبرى ، والهيولويّة الأولى المعبّر عنها ب « دنى وتدلَّى » والوجود الإنبساطي الإطلاقي ، والوجه الدائم الباقي المستهلك فيه كلّ الوجودات والتعيّنات ، والمضمحلّ لديه جميع الرسوم والسمات ، لا نسبة بينه وبين شيء لإحاطته القيّوميّة بكلّ ضوء وفيء ، فلا يستصحّ الأكرميّة والأفضلية ، ولا يتصوّر الأوّليّة والآخريّة ، بل هو الأوّل في عين الآخريّة ، والآخر في عين الأوّليّة ظاهر بالوجه الَّذي هو باطن ، وبالوجه الَّذي هو ظاهر كامن ، كما قال : « نحن السابقون الأوّلون » . 1 - قوله عليه السّلام : فأنت أفضل أم جبرئيل ؟ أعلم أنّ هذا السؤال وغيره من المقال من مولانا أمير المؤمنين وإمام أصحاب الكشف واليقين عليه صلوات ربّ العالمين لمصلحة كشف الحقائق بالنسبة إلى ساير الخلق ( الخلائق ) ، وإلَّا فهو عليه الصلاة والسلام يستفيد من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله حقائق العلوم وغيبيّات السرائر بمقامه العقلي وشأنه الغيبي قبل الوصول إلى النشأة المثاليّة الخياليّة فضلا عن نزولها إلى الهيئات اللفظيّة والكلاميّة ، فإنّ منزلته عليه السّلام منه صلَّى اللَّه عليه وآله بعد اتحاد نورهما بحسب الولاية الكليّة المطلقة ، منزلة اللطيفة العقلية ، بل الروحيّة السريّة من النفس الناطقة الإلهيّة ، ومنزلة ساير الخلايق منه صلوات اللَّه عليه وآله منزلة ساير القوى الباطنيّة والظاهرة منها ، فإنّ لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أحديّة جمع الحقائق الغيبيّة والشهادتيّة ، وهو أصل أصول المراتب الكلَّية والجزئيّة ، ونسبته إلى رعيته نسبة الاسم الأعظم في الحضرة الجمعية إلى ساير الأسماء والصفات ، بل هو الاسم الأعظم المحيط بسائر الأسماء الإلهية في النشأة الخلقيّة والأمريّة ، فكما أن الفيض من حضرة الجمع لا يصل إلى التفاصيل المحضة إلَّا بعد عبوره في مراحل متوسطة ، ولا يمرّ على السوافل إلَّا بعد مروره على العوالي الَّتي هي الواسطة ، كذلك الفيوضات العلميّة والمعارف الحقيقيّة النازلة من سماء سرّ الأحمديّة لا تصل إلى الأراضي الخلقيّة إلَّا بعد عبورها على المرتبة العماء العلويّة ، ولذلك ولأسرار أخر قال صلَّى اللَّه عليه وآله : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » . وممّا يؤيد ما ذكرنا لك ويشهد على ما تلونا عليك أنّه يسمع كلام جبرئيل ، ومن ذلك ما ورد في الكافي الشريف في باب العهود ، في رواية طويلة ، أنّه قال أمير المؤمنين : والَّذي فلق الحبّة وبرء النسمة لقد سمعت جبرئيل يقول للنّبي صلَّى اللَّه عليه وآله : يا محمّد ! عرّفه أنّه منتهك ( ينتهك ) الحرمة » . الخبر الشريف . ( الكافي ج 1 باب أنّ الأئمّة لم يفعلوا ، الحديث 4 ص 284 . ) 2 - ثمّ إنّ السؤال عن أفضليّته عن جبرئيل سؤال عن قاطبة سكنة عالم الجبروت ، واختصاصه بالذكر إمّا لعظمة شأنه من بين سائر الملائكة أو لتوجّه الأذهان إليه دون غيره ، وبالجملة ليس السؤال مختصّا به ولهذا أجاب صلَّى اللَّه عليه وآله بفضله على جميع الملائكة . 3 - وليعلم انّ هذه الفضيلة ليست فضيلة تشريفيّة اعتباريّة كفضيلة السلطان على الرعيّة ، بل فضيلة حقيقيّة وجوديّة كماليّة ناشئة من إحاطته التامّة ، وسلطنته القيّوميّة ظلّ الإحاطة الَّتي لحضرة الاسم اللَّه الأعظم المحيط على ساير الأسماء والصفات ، فان ساير الأسماء والصفات من شؤونه وأطواره ومظاهره وأنواره ، فكما أنّ شرافة اسم اللَّه الأعظم المحيط على ساير الأسماء ليست تشريفيّة اعتباريّة ، فكذا ساير الأسماء بعضها بالنسبة إلى بعض ، وكذلك الأمر في مربوب الأسماء المحيطة الَّذي هو النبيّ في كلّ عصر ، وخصوصا نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله الَّذي هو مربوب إمام أئمّة الأسماء والصفات ، فله الرياسة التامّة على جميع الأمم السابقة واللَّاحقة بل كلّ النبوّات من شؤون نبوّته ، ونبوّته دائرة عظيمة محيطة على جميع الدوائر الكليّة والجزئيّة والعظيمة والصغيرة . 4 - قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « والفضل بعدي لك وللأئمّة من بعدك » ، إشارة إلى ما ذكرنا من أنّ مرتبة وجوده عليه السّلام وجود سائر الأئمّة عليهم السّلام بالنسبة إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله مرتبة الروح من النفس الناطقة الإنسانيّة ، ورتبة سائر الأنبياء والأولياء رتبة سائر القوى النازلة منه ، ورتبة سائر الرعيّة رتبة القوى الجزئيّة النازلة الظاهرة أو الباطنة حسب درجاتهم ومراتبهم ، وكلّ فضيلة وكمال وشرف في المملكة الإنسانية ثابتة للمرتبة الروحية ، ومنها يصل الفيض إلى سائر القوى والمراتب ، بل جميع القوى الظاهرة والباطنة ظهور حقيقة الروح ، ولذلك قال علي عليه السّلام : « كنت مع الأنبياء سرّا ومع رسول اللَّه جهرا » . على ما حكى ، والمعيّة بالنسبة إلى سائر الأنبياء عليهم السّلام معيّة قيّوميّة ، وبالنسبة إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله معيّة تقوّميّة . 5 - قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « وانّ الملائكة لخدّامنا وخدام محبّينا » . شاهد على ما ذكرنا من أنّ العالم بجميع أجزائه وجزئياته من القوى العلَّامة والعمّالة الكامل فبعض الملائكة من قواه العلَّامة كجبرئيل ، ومن في طبقته ، وبعضهم من العمّالة كعزرائيل ومن في درجته وكالملائكة السماويّة والأرضيّة المدبّرة ، وخدمة الملائكة لمحبّيهم أيضا بتصرّفهم عليه السّلام كخدمة بعض الأجزاء الإنسانيّة لبعض بتصرّف النفس . 6 - قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « لولا نحن ما خلق اللَّه آدم » إلى آخر لأنّهم وسائط بين الحق والخلق وروابط بين الحضرة الوحدة المحضة والكثرة التفصيليّة ، وفي هذه الفقرة بيان وساطتهم بحسب أصل الوجود ، وكونهم مظهر الرحمة الرحمانيّة الَّتي هي مفيض أصل الوجود ، بل بحسب مقام الولاية هم الرحمة الرحمانيّة ، بل هم الاسم الأعظم الَّذي كان « الرحمن الرحيم » تابعين له كما أنّ الفقرة الآتية أي قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « كيف لا نكون أفضل من الملائكة » . بيان كونهم وسائط بحسب كمال الوجود وكونهم مظهر الرحمة الرحيمية الَّتي بها يظهر كمال الوجود ، فبهم يتمّ دائرة الوجود ويظهر الغيب والشهود ، ويجري بالفيض ( الفيض ) في النزول والصعود . قال الشيخ محيي الدّين في فتوحاته : « ظهر الوجود ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ، فتمام دائرة الوجود تحت هذه الأسماء الثلاثة ، جمعا في الأوّل منها ، وتفصيلا في الآخرين » .