السيد حيدر الآملي
124
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
( ظهور الملائكة في صورة الإنسان ) بل لا بدّ لهم من الانسلاخ عن عالم البشريّة ، والاتّصاف بالصفات الإلهيّة ، ليتمّكنوا من هذا ، لأنّه ورد في الخبر الصحيح أنّه إذا كان من عالم البشريّة الصرفة ، لم يتمكّن من أخذ الوحي بنفسه لعدم المناسبة ، بل كان يحتاج إلى جبرئيل في صورة ( 68 ) دحية الكلبي ( 69 ) وغيره ، لئلَّا يحصل
--> ( 68 ) قوله : في صورة دحية كلبي . روي المجلسي في بحار الأنوار ج 18 ص 267 ح 29 عن الأمالي للشيخ الطوسي بإسناده عن أبن عباس قال : كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يغدو إليه علي عليه السّلام في الغداة ، وكان يحبّ أن لا يسبقه إليه أحد ، فدخل فإذا النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في صحن الدار وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي ، فقال : « السلام عليك ، كيف أصبح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله » ؟ قال : « بخير يا أخا رسول اللَّه ، فقال علي عليه السّلام : جزاك اللَّه عنّا أهل البيت خيرا ، قال له دحية : إنّي أحبّك ، وإنّ لك عندي مديحة أهديها إليك : أنت أمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وسيّد ولد آدم ( يوم القيامة ) ما خلا النبيّين والمرسلين ، لواء الحمد بيدك يوم القيامة ، تزفّ أنت وشيعتك مع محمّد وحزبه إلى الجنان زفّا ، قد أفلح من ولَّاك ، وخاب وخسر من خلَّاك ، بحبّ محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله أحبّوك وببغضه أبغضوك ، ( محبّ محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله محبّك ومبغضه مبغضك ) ولا تنالهم شفاعة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله أدن من ( مني ) صفوة اللَّه ، فأخذ رأس النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فوضعه في حجره ، فانتبه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال : « ما هذه الهمهمة » ؟ فأخبره الحديث ، فقال : « لم يكن دحية ( الكلبي ) كان جبرئيل ، سمّاك باسم سمّاك اللَّه به وهو الَّذي ألقى محبّتك في قلوب المؤمنين ، ورهبتك في صدور الكافرين » . وروى أيضا قريب منه في بحار الأنوار ج 40 ص 16 ح 33 وج 39 ص 96 ح 8 عن كتاب « اليقين » للعلَّامة الحلَّي بإسناده عن أمّ سلمة وأيضا بإسناده عن ابن عباس . وروى أيضا في ج 40 ص 11 ح 26 عن كتاب اليقين في إمرة أمير المؤمنين للعلامة الحلَّي بإسناده عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللَّه عليه السّلام : « الجنة مشتاقة إلى أربعة من أمتي » ، فهبت أن أسأله من هم ؟ . . . إلى أن قال : فأتيت عليّا عليه السّلام . . . فدخلنا على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ورأسه في حجر دحية الكلبيّ ، فلمّا رآه دحية قام إليه وسلَّم عليه وقال : خذ برأس ابن عمّك يا أمير المؤمنين فأنت أحقّ به ( منّي ) ، فاستيقظ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ورأسه في حجر علي عليه السّلام فقال له : « يا أبا الحسن ما جئتنا إلَّا في حاجة » ، قال : بأبي وأمّي يا رسول صلَّى اللَّه عليه وآله دخلت ورأسك في حجر دحية الكلبيّ ، فقام إلىّ وسلَّم عليّ وقال : خذ برأس ابن عمّك إليك فأنت أحقّ به منّي يا أمير المؤمنين ! فقال له النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : فهل عرفته ؟ فقال : هو دحية الكلبيّ ، فقال له : « ذاك جبرئيل » ، فقال له : بأبي وأمّي يا رسول اللَّه أعلمني أنس أنّك قلت : « إنّ الجنّة مشتاقة إلى أربعة من أمّتي » فمن هم ؟ فأومأ إليه بيده فقال : « أنت واللَّه أوّلهم ، أنت واللَّه أوّلهم أنت واللَّه أوّلهم » ، ثلاثا ، فقال له : بأبي وأمّي فمن الثلاثة ؟ فقال له : « المقداد وسلمان وأبو ذرّ » . وروى قريب منه الشيخ الطوسي في أماليه ( المجلس الثالث عشر ) ص 395 ، وأيضا روى قريب منه العياشي من تفسيره ج 2 ص 70 في سورة الأنفال الآية 81 ، وعنه البحار ج 41 ص 172 ح 9 . وروى ( الكليني في الكافي ج 2 ص 587 ح 25 عن كتاب الدعاء الباب 2 بإسناده عن الصادق عليه السّلام قال : « إنّ أبا ذر أتى رسول اللَّه ومعه جبرئيل في صورة دحية الكلبي » . الحديث . وعنه البحار ج 22 ص 400 ح 9 . وروى مثله الصدوق في « أماليه » ص 283 ح 3 المجلس الخامس والخمسون ، وعنه البحار ج 95 ص 354 ح 8 . ( 69 ) قوله : دحية الكلبي الرجل ، اسمه دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي القضاعي . وهو من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ومن رسله ، أرسله مع رسالة إلى قيصر ملك روم ، وكان جميلا بل أجمل الناس وجها ، وكان جبرئيل عليه السّلام يأتي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله على صورته أحيانا . سلَّم بعد بدر وشهد المشاهد مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وبقي إلى زمان معاوية ، وشهد اليرموك ثمّ سكن دمشق بعد ذلك ، وقيل : أسلم قبل البدر ولم يشهدها . ومن كلامه أنّه قال : قدمت من الشام ، فأهديت إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فاكهة يابسة من فستق ، ولوز ، ولعك . الحديث . وقال : بعث رسول اللَّه معيى بكتاب إلى قيصر ، فقمت بالباب ، فقلت : أنا رسول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ففزعوا لذلك فدخل عليه الآذن ، فأدخلت وأعطيته الكتاب ، « من محمّد رسول اللَّه ، إلى قيصر صاحب الروم » . فإذا ابن أخ له ، أحمر أزرق ، قد نخر ، ثمّ قال : لم لم يكتب ويبدأ بك ! لا تقرأ كتابه اليوم ، فقال لهم : أخرجوا . فدعا الأسقف - وكانوا يصدرون عن رأيه - فلمّا قرئ عليه الكتاب ، قال : هو - واللَّه - رسول اللَّه الَّذي بشّرنا به عيسى وموسى ، قال : فأيّ شيء ترى ؟ قال : أرى أن نتبعه ، قال قيصر : وأنا أعلم ما تقول ، ولكن لا أستطيع أن أتبعه ، يذهب ملكي ويقتلني الروم . راجع : « سير أعلام النبلاء » ج 4 ص 157 و 158 و « تهذيب الكمال » ج 8 ص 473 و « الوثائق السياسية » ص 112 و « سيرة ابن هشام » ج 4 ص 232 و « تاريخ الإسلام » للحافظ الذهبي ، المجلد « المغازي » ص 501 وص 421 وص 309 . وقال صاحب تفسير « كشف الأسرار » أبو إسماعيل عبد اللَّه الأنصاري فيه ج 3 ص 500 : « روي في بعض الأخبار أنّ دحية الكلبي كان كافرا من ملوك العرب ، فلمّا أراد أن يسلم ، أوحى اللَّه تعالى إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله بعد ما كان صلَّى الفجر : يا محمّد ! إنّ اللَّه يقرئك السلام ويقول : إن دحية الكلبي يدخل عليك الآن ويسلم ، قال : فلمّا دخل المسجد ، رفع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله رداءه عن ظهره وبسطه على الأرض بين يديه ، قال : يا دحية ! هاهنا ، وأشار إلى رداءه ، فبكى دحية من كرم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، ورفع رداءه وقبّله ووضعه على رأسه وعينه ، فقال : بأبي من له هذا الرّداء ، ثمّ قال : يا محمّد ! ما شرائط الإسلام أعرضها عليّ ، فقال : « أن تقول : لا إله إلَّا اللَّه محمّد رسول اللَّه » فقال : يا رسول اللَّه ! إني ارتكبت الخطيئة وفاحشة كبيرة ، فماذا كفارته ؟ إن أمرتني أن أقتل نفسي قتلتها ، وإن أمرتني أن أخرج من جميع مالي خرجت ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « وما ذاك يا دحية » ! قال : كنت رجلا من ملوك العرب وأستنكف أن يكون لبناتي أزواج ، فقتلت سبعين من بناتي كلَّهن بيدي ، فتحيّر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من ذلك حتّى نزل جبرئيل ، فقال : يا محمّد ! إنّ اللَّه يقرئك السّلام ويقول : « قل لدحية : وعزّتي وجلالي أنّك لمّا قلت : لا إله إلَّا اللَّه غفرت لك كفر ستين سنة ، فكيف لا أغفر لك قتلك بناتك » ! قال : فبكى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وقال : « إلهي غفرت لدحية قتل بناته بشهادة واحدة ، فكيف لا تغفر للمؤمنين صغائرهم بشهادات كثيرة ؟ » . وروي بحار الأنوار ج 89 ص 195 ح 39 نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب ، عن ابن عباس في قوله تعالى : * ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً ) * [ الجمعة : 11 ] . إن دحية الكلبيّ جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة ، فنزل عند أحجار الزيت ثمّ ضرب بالطبول ليؤذّن الناس بقدومه ، فتفرّق النّاس إليه إلَّا عليّ ، والحسن ، والحسين ، وفاطمة ، وسلمان وأبو ذرّ ، والمقداد ، وصهيب ، وتركوا النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قائما يخطب على المنبر ، فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : « لقد نظر اللَّه يوم الجمعة إلى مسجدي فلو لا الفئة الَّذين جلسوا في مسجدي لأضرمت المدينة على أهلها ، وحصّبوا بالحجارة كقوم لوط ، ونزل فيهم : * ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ) * [ النور : 37 ] » . وروى الطبرسي في تفسير « مجمع البيان » في تفسير سورة الجمعة ، في الآية 11 : * ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً ) * [ الجمعة : 11 ] . وقال : قال الحسن وأبو مالك أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله يخطب يوم الجمعة ، فلمّا رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله إلَّا رهط فنزلت الآية ، فقال : « والَّذي نفسي بيده لو تتابعتم حتّى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا » . وقال المقاتلان ( يعني مقاتل بن سليمان ومقاتل بن قيام ) : بينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ، ثمّ أحد بني الخزرج ، ثمّ أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة ، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلَّا أتته ، وكان يقدم إذا قدم لكل ما يحتاج إلى من دقيق أو برّ أو غيره ، فينزل عند أحجار الزيت ، وهو مكان في سوق المدينة ، ثمّ يضرب بالطبل ليؤّن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليتباعوا معه ، فقدم ذات جمعة ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قائم على المنبر يخطب ، فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلَّا اثنا عشر رجلا وامرأة ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : لولا هؤلاء لسومت عليهم الحجارة من السماء ، وأنزل اللَّه هذه الآية . راجع في هذا أيضا تفسير « التبيان » ج 10 ص 9 وتفسير الدّر المنثور ج 8 ص 166 ، وفيه في نقل آخر : « فخرجوا من الجمعة ، بعضهم يريد أن يشتري ، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية » . وراجع أيضا تفسير « معالم التنزيل » ج 5 ص 384 ، وعوالي اللئالي ج 2 ص 57 .